لم يشهد التاريخ الإنساني رجلاً عظيماً مثل رسولنا الكريم محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، فلم يكن صاحب رسالة عظيمة وحسب، وإنما كانت سيرته ومسيرته التي امتدت نحو ثلاثة وستين عاماً، أنموذجاً فريداً لرسول عظيم، ونبيٍّ كريم، وقائد مُلهَم، وإنسان بلغ من الصدق والأمانة والرأفة والرحمة والتسامح مع الآخر مبلغاً لم يصل إليه أحد من العالمين، ولِمَ لا وقد قال الله في شأنه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 4 5]
أرسى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مبدأ الشورى بين أصحابه، وجعله منهج حياة للمسلمين من بعده، خاصة في الأمور المهمة التي لم يرد فيها نص قرآني، وذلك قبل أن يعرف العالم اليوم ما يُسمَّى «الديمقراطية»، أو مجالس الشورى.
وتزخر كتب السيرة النبوية والأحاديث الشريفة بالمواقف العظيمة التي شاور فيها رسول الله أصحابه، ومن أبرز هذه المواقف ما حدث قُبيْل غزوة بدر، استعدادًا لها؛ حيث قال قولته الشهيرة: «أشيروا عليَّ أيها الناس»؛ وذلك لاختيار المكان المناسب لملاقاة العدو(كفار قريش)؛ حيث تحرك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بجيشه إلى ماء بدر، وهنا قام الحُبَاب بن المنذر، وقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب: يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ونغوِّر (نخرِّب ما وراءه من الآبار)، ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال صلى الله عليه وسلم: لقد أشرتَ بالرأي.
وفي غزوة أحد، شاور الرسول أصحابه، في البقاء بالمدينة والتحصن بها أو الخروج لملاقاة قريش، وكان رأيه صلى الله عليه وسلم، البقاء في المدينة، إلا أن كثيراً من الصحابة أشاروا بالخروج للعدو، فنزل صلى الله عليه وسلم على رأيهم.
وفي غزوة الخندق، أشار سلمان الفارسي، رضي الله عنه، بفكرة حفر الخندق، واستحسن النبي فكرته وأمر بتنفيذها، فكانت سبباً رئيسياً من أسباب النصر في تلك الغزوة.
يقول أبو هريرة، رضي الله عنه: ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وعن السيدة عائشة، رضي الله عنها، قالت: ما رأيت أحداً أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحذر، صلى الله عليه وسلم، من اتباع أقوال الغير، دون إدراك لحقيقة ما يقال، جاء في سنن الترمذي، عن حذيفة بن اليمان، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إن أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا».
وجعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، إبداء الرأي السديد واجباً على صاحبه، ابتغاء مرضاة الله، فعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يَحقِرَنَّ أحَدُكم نَفْسَه أنْ يَرَى أمْرًا للهِ فيه مَقالٌ، فلا يَقولُ فيه، فيُقالُ له: ما منَعَكَ؟ فيقولُ: مَخافةُ النَّاسِ، فيقولُ: فإيَّايَ كُنتَ أحقَّ أنْ تَخافَ». وقد سُئل، صلى الله عليه وسلم، من رجل قال له: يا رسول الله ما الحزم؟ قال: «أن تشاور ذا رأي ثم تطيعه».
ولم يقتصر أمر الشورى في السنة النبوية الشريفة على الرجال، وإنما كان رسول الله يشاور النساء في بعض الأمور، كما قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا. وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا» (الأحزاب: 27 و28).
ولا تقتصر الشورى في سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، على أمر دون آخر، ما لم يكن فيه نص، كما قال الله تعالى: «وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ» (الشورى: 38)، وإنما تتسع الشورى لتشمل جميع مناحي الحياة، سلماً وحرباً، سياسة واقتصاداً، وأسرة ومجتمعاً.. إلخ.
يحكي عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما، ما كان من رأي أبي بكر وعمر في أسرى بدر، فيقول: فلمَّا أسَروا الأُسَارى، قال رسولُ الله، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لأبي بكرٍ وعمرَ: ما ترَوْنَ في هؤلاء الأُسارى؟ أي: ماذا نفعَلُ فيهم؟ فقال أبو بكرٍ: يا نبيَّ اللهِ، هم بنو العَمِّ والعَشيرةِ، أرى أنْ تأخُذَ منهم فِديةً، أي: مالاً ونحوَه، فتكونَ لنا قوَّة على الكفَّارِ، فعسى اللهُ أن يَهديَهم للإسلامِ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما ترى يا ابنَ الخطَّابِ؟ قال: لا، واللهِ، ما أرى الَّذي رأى أبو بكرٍ، ولكنِّي أرى أن تُمكِّنَّا فنضرِبَ أعناقَهم، فتُمكِّنَ عليّاً مِن عَقيلٍ فيضرِبَ عُنقَه، وتُمكِّنِّي مِن فلانٍ (نسيباً لعُمرَ)، فأضرِبَ عُنقَه؛ فإنَّ هؤلاء أئمَّةُ الكفرِ وصناديدُها، فهَوِيَ رسولُ الله، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قال عُمَرُ، فلمَّا كان مِن الغدِ جاء عمرُ فوجَد رسولَ الله، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأبا بكرٍ قاعدَيْنِ يَبكيانِ، فسألهما: يا رسولَ اللهِ، أخبِرْني مِن أيِّ شيءٍ تَبكي أنتَ وصاحبُك، فإنْ وجَدْتُ بكاءً بكَيْتُ، وإنْ لم أجِدْ بكاءً تباكَيْتُ لبُكائِكما؟ فقال رسولُ الله، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أَبْكِي للَّذي عرَض عليَّ أصحابُك مِن أخْذِهم الفِداءَ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهم أدْنى مِن هذه الشَّجرةِ، وأنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (الأنفال: 67).