الصراع على الهيمنة في باكستان

الخوف والرغبة والآفاق الثورية
22:41 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 7 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
عاصم سجّاد أختار
عاصم سجّاد أختار، أستاذ مشارك في الاقتصاد السياسي في المعهد الوطني للدراسات الباكستانية، جامعة القائد الأعظم ( باكستان). له عدد من المؤلفات، ويكتب آراءه باستمرار لصحيفة «داون» الباكستانية الرائدة.

شهدت باكستان صراعات عديدة في العقود الأخيرة، ولا تزال تعيش اضطرابات بين الحين والآخر، فالكثير من العقد السياسية والاقتصادية فيها لم تتحلحل على الإطلاق. يستكشف هذا العمل باكستان النيوليبرالية، ويبحث في دور التكنولوجيا الرقمية في كيفية تعزيز المراقبة الجماعية، ويدعو من خلال تقديم تفسير جديد إلى تأسيس أفق سياسي تحرري قائم على «اللاطبقية».

وصفت المجتمعات الغربية انهيار الهيمنة النيوليبرالية في العالم الغربي في أعقاب الانهيار المالي في 2007-2008 وما تلاه من صعود لشخصيات اليمين الاستبدادية على أنه أزمة «سياسية»، لكن مؤلف هذا العمل الدكتور عاصم ساجد أختار يرى أنه يجب النظر إلى الأزمة على أنها عالمية، بدلاً من التركيز على الغرب وحده.

يوضح المؤلف في هذا الكتاب الأسس الهيكلية الاجتماعية للجانب «السياسي» في باكستان في الظروف الحالية، مع إضافة للنظرية السياسية في جنوب آسيا ما بعد الاستعمار وإفريقيا جنوب الصحراء بشكل عام. يقول أختار: «وُصف ظهور فيروس كورونا الجديد والإغلاق اللاحق للحياة الاقتصادية المنظمة في عام 2020 بأنه حالة طوارئ «تحدث مرة واحدة في كل جيل». لكن في الحقيقة، أدت جائحة كورونا ببساطة إلى تضخيم حجم الأزمات السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية المتشابكة التي تصيب الجنس البشري والطبيعة. أشارت الحركات الشعبية مثل الذين احتلوا «وول ستريت» و«الربيع العربي» إثر الانهيار المالي العالمي 2006-2008 نحو هيمنة بديلة للطعن في حكم رأس المال. بعد عقد من الزمان، كان الوباء بمثابة تذكير رصين بالقوة غير المقيدة للمؤسسات الإعلامية العسكرية والصناعية والديماغوجيين السياسيين في جميع أنحاء العالم، ما أدى إلى تفاقم تناقضات الرأسمالية المعاصرة دون الاهتمام بالعواقب».

 وفي سياق حديثه عن ترابط الأزمات على المستوى العالمي يعلق: «أشاد النقاد بهزيمة دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر(تشرين الثاني) 2020 باعتبارها فترة راحة لمؤسسات الديمقراطية الليبرالية في كل من الدول الغربية وبقية العالم. في أغسطس (آب) 2021، أعادت إدارة بايدن أفغانستان إلى طالبان بعد 20 عاماً من إراقة الدماء الإمبريالية. سلطت المشاهد المخزية في كابول وبقية البلاد في ختام أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة الضوء على كيفية استمرار الإمبراطورية الأمريكية المتراجعة في الدفاع عن العنف والاستغلال الجامح للحفاظ على المشاريع السياسية والاقتصادية للهيمنة في جميع أنحاء العالم».

 ويتطرق أختار إلى السياق التاريخي، قائلاً إنه «لأكثر من 400 عام، حكم المستعمرون الأوروبيون في جميع أنحاء العالم الأراضي التي تسكنها شعوب «متخلفة» تحت ستار تحسينهم والارتقاء بهم إلى مستوى الحداثة الثقافية والاقتصادية والسياسية. اليوم، تعاني الدول الواقعة في الأطراف التاريخية للنظام العالمي الرأسمالي من المزيد من القمع والعنف والاستغلال والنهب أكثر من أي وقت مضى».

 صراعات متنوعة

تفتخر باكستان بواحدة من أكبر وأسرع الطبقات الوسطى نمواً في العالم، والتي تقدر بأكثر من ثلث إجمالي عدد السكان، ويقول أختار في هذا الصدد: «لقد سلط الوباء الضوء على العديد من الحقائق الصارخة حول المناطق الإمبريالية التاريخية للنظام العالمي الرأسمالي، بما في ذلك تعميق الصراع الطبقي، والنهب الجشع للموارد الطبيعية، وعنف الأغلبية ضد الطوائف والأجناس والأمم العرقية والمجتمعات الدينية المضطهدة. ومع ذلك، تظل أيديولوجية طموح الطبقة الوسطى مهيمنة، على الرغم من حقيقة أن الصدمات التي سببها الوباء للنظام العالمي أجبرت العديد من أولئك الذين غالباً ما يوصفون بشكل أخرق بأنهم «الطبقة الوسطى» على العودة إلى الفقر الافتراضي بين عشية وضحاها».

 يرى المؤلف أن باكستان تشهد عمليات تمويل سريعة واستيلاء جشعاً على الموارد الطبيعية، تحت إشراف المؤسسة العسكرية في البلاد وبيروقراطية الدولة. ويقول: «تحت مراقبتهم ووفقاً للمصالح التجارية والتصنيعية، احتكر مطورو العقارات وعدد كبير من المافيات توفير الاحتياجات الأساسية مثل السكن والماء والغذاء، وقاموا أيضاً بتغذية الاستهلاك الواضح من قبل الطبقة المتوسطة الأسيرة».

 يبين المؤلف في تمهيده للكتاب دافعه قائلاً: «دافعي لكتابة هذا العمل واضح ومباشر. في كتابي السابق «سياسة الحس العام»(كامبريدج، 2018)، قمت بنشر إطار غرامشيّ لتوضيح كيف صمم النظام العسكري الموالي للإمبريالية للجنرال ضياء الحق (1977-1988) ونفذ مشروعاً مهيمناً للطبقة الحاكمة بشأن سياسة المحسوبية. كما كانت الحال مع جميع الأنظمة الرجعية في جميع أنحاء العالم في بداية الثورة المضادة للنيوليبرالية، سعت ديكتاتورية ضياء إلى قمع التيارات الثورية الجوهرية التي هددت الطبقات المالكة والمؤسسة العسكرية القوية في البلاد في الظروف السابقة».

 يتحدث المؤلف عن عودته إلى باكستان ومواجهته العديد من التغيرات السياسية، وانخراطه في صفوف اليسار حينها قائلاً: «مع وصول العولمة النيوليبرالية إلى أوجها، كان الحرس القديم مصدر إلهام لمجرد أنه قاوم موجات انتصار الرأسمالية التي اجتاحت باكستان (والعالم بأسره). ومع ذلك، بينما أردت أنا وحفنة من الشباب الآخرين الانغماس في نضالات العمال، مهما كان شكلها، غالباً ما كانت التخيلات الثورية للرفاق الأكبر سناً غير متزامنة مع أساليب التنظيم الجديدة لدينا. على مدى السنوات ال 23 الماضية، رأيت الكثير من التغيير في الدوائر المنظمة. مثل الكثيرين في اليسار في كثير من أنحاء العالم، نحن في باكستان اليوم نشعر بالعزاء في إعادة إحياء فكرة أن تسمية وتحدي الرأسمالية والأشكال السياسية المختلفة التابعة لها على المستويات العالمية والوطنية والمحلية مرة أخرى على جدول الأعمال. يتجلى تقدمنا ​​في حقيقة أن جيلاً جديداً من الشباب قد انجذب نحو الأفكار النقدية والعمل السياسي. 

 لكن في بلد يتباهى بأن غالبية سكانه من الشباب - ما يقرب من 150 مليوناً دون سن الثلاثين من سكان باكستان البالغ عددهم 230 مليون نسمة - لم نشكل بعد كتلة مؤثرة لاختراق التيار المهيمن. التقدميون الشباب هم بالتأكيد على الخطوط الأمامية لحركات المقاومة - لعرقلة الحرب على أرض الواقع، وقمع الدولة، واستغلال الطبقات/الطائفة، ونزع الملكية، والأعراف الأبوية والعنف، وتغير المناخ، وخصخصة الخدمات العامة، وأكثر من ذلك بكثير - لكن نظرية الثورة لا تزال واضحة الغياب. في الواقع، معظم الشباب الباكستاني مشبع بطموح الطبقة الوسطى المهيمنة».

 ويرى أن القليل من التقدميين الشباب اليوم يعرّفون عن أنفسهم على أنهم «ثوار» على غرار الماضي، ومن المرجح أن يكونوا نشطين على وسائل التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«تويتر» أكثر من تأثيرهم الفعلي في الأرض. وفي ظل خلفية ما يسميه المؤلف عالم الحياة الرقمي المتنامي، يجد أن معنى السياسة التقدمية وممارستها يتغير بشكل أسرع من أي وقت مضى.

 هيكليات سلطوية

 رغم أن المؤلف يركز في عمله هذا على باكستان، لكنه يقدم أيضاً رؤى ذات صلة بمناطق ما بعد الاستعمار في جنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء بشكل عام. يقول: «ولّدت الجذور الاجتماعية الهيكلية للسلطوية المعاصرة في سياقات ما بعد الاستعمار اهتماماً نظرياً محدوداً للغاية، لكن مرة أخرى يبدو كما لو أن النضال السياسي والاقتصادي في فترة ما بعد الاستعمار ليس له إلا القليل من التأثير في العالم».

 يتبنى المؤلف وجهة نظر مخالفة، بحجة أننا لا نستطيع فهم الأزمة العالمية دون أن نولي الاهتمام بالمناطق غير الغربية وما بعد الاستعمار، على وجه الخصوص آسيا وإفريقيا. ويعلق قائلاً: «لقد عانى مئات الملايين من العمال في جنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء أشكالاً مختلفة من الاستغلال، والضعف بشكل عام، منذ فترة طويلة قبل الحقبة النيوليبرالية. فقد كانت الطبيعة القسرية والإقصائية للأسواق الرأسمالية في العديد من مجتمعات ما بعد الاستعمار، ناهيك عن الحرب ونزع الملكية وغيرها من مظاهر العنف الهيكلي، وحشية بلا نهاية». باختصار، يرى أن «ما يسمى ب«الجنوب العالمي» يوفر رؤية مميزة لأعمال العالم بأسره لثلاثة أسباب مترابطة:

*أولاً، تعيش الغالبية العظمى من سكان العالم في بلدان ما بعد الاستعمار، مع تزايد أعداد سكان المدن بشكل كبير في جنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء بشكل خاص.

*ثانياً، تشهد جنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تضخماً هائلاً في أعداد الشباب. يرتبط هذا الجزء من البشرية بشكل متزايد - عبر الفضاء المادي ومن خلال المنصات الرقمية - بمناطق وأشخاص آخرين داخل حدود الدولة القومية وخارجها. ستعمل هذه الديموغرافية الشابة على تكييف «السياسي» إلى حد كبير في العقود القادمة.

*ثالثاً، من المتوقع، وفقاً لمعظم التوقعات العلمية، أن تحدث أسوأ تداعيات تغير المناخ بشكل رئيس في شرق وجنوب آسيا، بين باكستان وكوريا الشمالية، حيث توجد غالبية كبيرة من سكان العالم من الشباب. يمكن أن تؤدي الظروف الموضوعية التي تواجه هذه الكتلة الشابة في العقود القليلة القادمة إما إلى اندلاع المزيد من الحرب/العنف، وعدم المساواة، والاستبداد والدمار البيئي، أو تحفيز أفق جديد.

 الأفق الثوري

 يحاول هذا الكتاب تحقيق هدفين منفصلين ولكنهما مترابطان: أولاً، يقدّم مخططاً تجريبياً ونظرياً للرأسمالية الموجودة في باكستان. ويطرح فيه المؤلف أسئلة منها: «ما هي الأشكال التي تتخذها الرأسمالية المالية المعولمة في تشكيل اجتماعي شديد التفاوت يستمر في حمل موروثات الاستعمار؟ ما هو الهيكل الطبقي/الديموغرافي للمجتمع الباكستاني؟ كيف يتم إنتاج (إعادة إنتاج) الهيمنة المعاصرة بطرق مبتذلة ومذهلة، خاصة في عصر الإعلام الجماهيري/الرقمي؟ كيف يتم إدراج النظام الأبوي والقمع العرقي القومي والطائفة والأشكال الأخرى للهوية في هيكل السلطة القائم على المحسوبية؟»

 يقدّم المؤلف بعض اللبنات الأساسية لنظرية سياسية يمكن أن تدفع القراء في اتجاه ما أطلقت عليه المنظّرة السياسية الأمريكية جودي دين اسم الأفق الشيوعي. يتساءل هنا: «كيف نخلق بديلاً مهيمناً لما أسميه سياسة الخوف والرغبة؟ هل يمكننا القيام بذلك دون التساؤل بعمق عن التغييرات الموضوعية في مجال السياسة، وخاصة رقمنة هذا المجال؟ كيف يمكن أن تصبح التناقضات المزدهرة للرأسمالية المعاصرة - بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر الحروب الإمبريالية والانهيار البيئي وإنشاء جيش احتياطي جماعي من العمالة / السكان الفائضين – أساساً لذات جماعية تحررية بدلاً من سباق درامي نحو قاعدة تقوم على كراهية «الآخر» الذي يضرب به المثل؟»

 لا يحاول المؤلف تقديم إجابات على كل هذه الأسئلة بالتأكيد، بل يعتبرها فقط نقاط ارتكاز وانطلاق، ويرى أن الاستمرار في الانغماس في النضالات الشعبية مع الحفاظ على الروح الإنسانية داخل المجتمع الباكستاني هو المهمة في حد ذاتها، قائلاً: «إن مهمة تغيير المجتمع، كما ذكّرنا غرامشي والعديد من الثوريين دائماً، تسير مع تغيير الذات، وأنا ممتن لأنني ما زلت أخوض كفاحي الداخلي والنضال الجماعي مع أقرب الرفاق/الأصدقاء»، مضيفاً: «يمكننا أن نكون مثل النعام على الرمال أو أن ننضم إلى تقاليد الإنسانية الثورية التي سعت لقرون إلى تغيير عالمنا الأبوي المستعمر والرأسمالي. لقد قضيت معظم حياتي أحاول أن أنصف هذا الإرث الثوري، وإذا اختار الكثير منا نفس المسار، فلا يزال بإمكاننا تجنب الانزلاق إلى البربرية».

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
ماريوس بوسماير، أكيم كيميرلنغ، كيس فان كيرسبرجن، وبول ماركس
1
أولوفيمو أو.تايو
1
أظفر شافي وإلياس نجدي
1
مايكل راسكا، كاتارزينا زيسك، وإيان باورز

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
غريغور غال
9
هيلين تومسون
1
فرانسيس فوكوياما
1
ماري إليز ساروت
1
تشاي هان كيم
1
لويس ألكسندر بيرج
1
سالفاتور إنجل دي ماورو
2
ويندي فيتزجيبون وجون ليا