التطرف قبل المتطرف

00:11 صباحا
قراءة 3 دقائق

لا بد أن شرطي ولاية تكساس الأمريكية يتمنى لو لم يقتل الشاب سلفادور راموس، الذي أطلق الرصاص داخل مدرسة ابتدائية في الولاية يوم 24 من هذا الشهر فقتل 21 بينهم 18تلميذاً !.. هو لا بد يتمنى ذلك ليس لأن القاتل لا يستحق القتل على ما ارتكبه، لكن لأن موته قد دفن سره معه، ولم يعد من الممكن أن نتعرف من خلاله إلى الأسباب التي دفعته إلى ارتكاب جريمة بهذه الدرجة من الفظاعة. 
الشاب القاتل عمره 18 سنة، وقتل جدته قبل إقدامه على جريمته، وأوقف سيارته بالقرب من المدرسة التي تبعد 120 كيلومتراً من حدود المكسيك. 
 ولكن السؤال يظل عن سبب ارتكاب الجريمة، لأنه من الغريب جداً أن يكون شاب في مثل هذ العمر، لا يتورع عن الإقدام على ارتكاب جريمة بطريقة لا تتناسب إلا مع الجناة العتاة !.. والمفهوم من حديث الرئيس الأمريكي جو بايدن عن الجريمة أن القاتل ليس شاباً كما قد نتصور مما نتابعه عن الموضوع ونقرؤه، لكنه طفل من حيث التوصيف الحقيقي لما يناسب سنوات عمره. 
 فالرئيس بايدن تأثر جداً مما جرى، وقال ما معناه أن بلاده آن لها أن تقف في مواجهة لوبي السلاح، الذي لا يزال يعرقل كل خطوة في اتجاه تقييد شراء السلاح بالنسبة للأشخاص. ومما قاله أيضاً إنه لا يتصور أن يتمكن طفل من شراء سلاح بهذه السهولة التي اشترى بها راموس سلاح الجريمة، فهذا خطأ كبير في ظن الرئيس الأمريكي، وهو بالطبع يريد من وراء هذا كله أن يقول، إن جريمة من حجم جريمة تكساس هذه تجعل السكوت على حرية اقتناء السلاح جريمة كبرى في حق المجتمع الأمريكي. 
 ومن خلال إشارة بايدن إلى راموس باعتباره طفلاً، نفهم أن القانون في الولايات المتحدة يعتبر الذين هم دون الثامنة عشرة أطفالاً، ونفهم كذلك أن مرتكب الجريمة دون هذه السن، فالكثير من الدساتير والقوانين في العالم تتعامل مع من دون هذه السن على أنه طفل. 
 ولا نعرف كيف يفكر طفل في هذه السن، ليس فقط في قتل جدته، لكن في فتح النار عشوائياً داخل مدرسة، ما أدى إلى حصد كل الذين شاء لهم سوء حظهم أن يكونوا في طريقه، ثم لا نعرف كيف يجرؤ قبلها على شراء بندقيتين هجوميتين من بائع على «النت»، ثم كيف يدفع فيهما 1870 دولاراً، وكيف ينشر صورتهما على «النت» من دون إحساس بأي حرج؛ بل كيف يرسل الفاتورة إلى صديق له عن طريق «النت» أيضاً، وكيف ينشر رسوماً مخيفة يراها الناس على حسابه على «انستغرام»، ولا يجد هو في ذلك ما يمكن أن يكون موضع مساءلة وحساب؟ 
هذه كلها تساؤلات حائرة، وسوف تبقى حائرة لأن الشخص الوحيد الذي كان يملك الإجابة عنها، هو ببساطة شخص انتقل إلى العالم الآخر. 
 ولا بد أن الشرطي تكساس يعرف أن الحفاظ على حياة المجرم، من بين مبادئ التعامل مع واحد من نوعية راموس، وأن ذلك لا يكون من قبيل الرغبة في الحفاظ على حياته في حد ذاتها، لكن من قبيل التعرف إلى دوافعه منه هو شخصياً، ومن قبيل الحفاظ بالتالي على حياة الآخرين من خطر كل مجرم مماثل في المستقبل. 
 قد يكون هذا الشاب أو هذا الطفل متطرفاً في تفكيره، بالمعنى السياسي أو الديني للتطرف، ولو صح ذلك من التحقيقات التي تجري في الجريمة، فهو سيظل في حكم المتطرف المبتدئ إذا جاز وصفه بذلك، وقد كان الحفاظ على حياته كفيلاً بأن يجعل مجتمعه.. وكل مجتمع من ورائه بالضرورة يشتبك مع أسباب التطرف مباشرة كظاهرة لا مع المتطرف كشخص.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"