تحولات عميقة في تونس الجديدة

00:21 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. كمال بالهادي

تغيير جذري منتظر في تونس، سيتم التصديق عليه في استفتاء الخامس والعشرين من يوليو/تموز، بعد أن نجح الرئيس قيس سعيّد في تحييد جميع خصومه وزيادة عزلتهم السياسية.
 واضح أن المعارضة التي منحها سعيّد حرية التظاهر في الشارع، وتحت الحماية الأمنية قد فشلت في تعبئة رأي عام قوي يحد من مشروعه لتأسيس الجمهورية الجديدة. وحتى الاستنجاد بالمنظمة النقابية الأكبر وهي «اتحاد الشغل»، قد أثبت وهن هذه المعارضة في تعطيل التحولات التي بدأت تنفذها الحكومة التونسية بتأييد من القوى الدولية.
 سعت المعارضة إلى تشويه صورة الرئيس لدى جميع السفارات النافذة في تونس، وفعلاً فقد ظلت مواقف الدول الغربية غامضة، إن لم نقل مؤيدة لوجهة نظر المعارضين، وعلى هذا الأساس تحدثت رموز المعارضة أن زمن قيس سعيّد أيامه معدودة وأنّ سقوط مشروعه هي مسألة وقت لا غير. وليس مستغرباً أن تظهر بعد ذلك خطابات حماسية تتوعده بالمحاسبة، وبعضهم دعا إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني. 
 ولأيام عاش هؤلاء حلم أو وهم إزاحة سعيّد والقفز مكانه. غير أن مشروع الرئيس لم يسقط والاستعدادات لتنظيم الاستفتاء تجري على قدم وساق والحكومة ماضية في إصلاحات طلبها صندوق النقد الدولي، وبرغم قساوتها فلا ردود أفعال شعبية عليها إلى حد الآن؟ فما الذي حدث حتى يحدث كل هذا الذي يحدث من تحولات حاسمة في تاريخ تونس؟
 لسنا نبالغ هنا، إن قلنا إن الرئيس سعيّد ورغم كل محاولات الشيطنة، إلاّ أن شعبيته تظل ثابتة وتجعله يتصدر جميع استطلاعات الرأي التي تجريها مراكز سبر الآراء، وهذا يثبت فشل معارضيه الذين يظهرون في نفس الاستطلاعات في مراتب متأخرة جداً  وبشعبية ضحلة، سواء من حيث رصيد الثقة، أو من حيث نوايا التصويت مستقبلاً. 
 وفي ذات السياق سعى المعارضون إلى خوض معركة اتصالية من أجل إقناع المواطنين بأن سعيّد يقود البلاد إلى الهاوية، مستغلين في ذلك تراجع المقدرة الشرائية والارتفاع الجنوني في الأسعار. ومع ذلك فإن التونسيين يقبضون على الجمر ويصبرون على تحولات هذا المنعرج التاريخي، وهم على يقين بأنّ مستقبل تونس سيكون أفضل بعد أن تم تخليصهم من تلك النخبة السياسية البائسة.
 الوحدة الشعبية التي تظهر خلف الإصلاحات التي يقودها الرئيس قيس سعيّد، بعثت برسائل لشركاء تونس الاقتصاديين والماليين، وهنا مني «المحللون» الاقتصاديون في تونس بنكسة كبرى، لأنهم ظلوا يراهنون على فشل توصل تونس إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي. وقد زار ممثلون عن الصندوق والبنك الدوليين، وبدأت تلوح في الأفق اتفاقات تاريخية ستمكن تونس من تمويلات، مع ما يعنيه ذلك من إعطاء ضوء أخضر للنفاذ لأسواق المال العالمية. وهو ما سينعكس إيجاباً على مناخ الاستثمار. وقد عُقِد منتدى تونس للاستثمار منذ أيام وكانت حصيلته إيجابية. وثمة مؤشرات أخرى تتمثل في زيارة وفود عربية وتحديداً خليجية،وأبدت كلها الاستعداد التام للوقوف إلى جانب تونس ودعم إصلاحاتها. ولم يتأخر الموقف السياسي الأمريكي عن هذا الركب، حيث بدأ الحديث لأول مرة عن البرلمان الجديد في الخطابات الأمريكية، وهو ما يعطي إشارة واضحة على أن تونس تسير في مسار سياسي سيؤدي إلى انتخاب برلمان جديد.
 جملة هذه المؤشرات رفعت منسوب التوتر لدى الأطراف المقابلة، وهو ما دفع وزارة الداخلية التونسية إلى تنظيم نقطة إعلامية مستعجلة، أكدت فيها وجود مخططات لاغتيال رئيس الجمهورية. وهذا يثبت أن بعض الجهات السياسية ستلجأ للعنف كلما أيقنت أنه لم يعد هناك إمكانية لتعطيل الإصلاحات التي يقودها الرئيس.
 لقد راهنوا على أن تعيش تونس صيفاً سياسياً ساخناً يمهد لعودتهم للحكم، وأن تستمرّ منظومات الفساد في التغول على الدولة، إلاّ أنه يبدو جليّاً أن التونسيين المنشغلين بنتائج الامتحانات النهائية للسنة الدراسية والجامعية، مصرّون على أن يكتمل صيف هذا العام، وتونس تمتلك دستور جمهورية جديدة، وماضية في مسار التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية، ما سيجعل التوجه لانتخابات تشريعية في السابع عشر من ديسمبر/ كانون الأول القادم أمراً مشروعاً بل وملحّاً. أما الذين قرروا عزل أنفسهم، فإن التاريخ لن ينتظرهم.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"