عادي

راشد شرار.. حارس الشعر الشعبي

23:33 مساء
قراءة 4 دقائق
10

في هذه الزاوية، نحتفي بمجموعة من أبرز مبدعينا الذين قدموا لمسات أدبية جمالية وإمتاعية، أثرت الوجدان، وارتقت بذائقة القراء، منحونا زاداً عبّر عن إنجازات الوطن وتحولات المجتمع وهموم البشر، كانوا ذاكرتنا التي تؤرخ للمكان ومدونتنا التي عبرت بصدق وإخلاص عن آمالنا وأحلامنا، هم قناديلنا التي نسترشد بها في دروب الحياة.

«إنه فؤادي بكبره يسع العالم»، هكذا تحدث راشد شرار شعراً يشير إلى تفرد وحضور مختلف لمبدع يحمل قضية وموقفاً ومشروعاً شعرياً يفيض بالجمال والروعة، فلا يذكر الشعر الشعبي والنبطي في الإمارات، إلا ويذكر معه راشد شرار بسيرة ممتدة كان خلالها الحارس لذلك النمط الإبداعي بما فيه من قيم وجماليات، فالشعر الشعبي هو حافظ التراث والهوية.

تلك المعاني تحققت بالفعل في نصوص شرار الذي يرى أن للقصيدة الشعبية مكانة مختلفة وخاصة في الإمارات، وذلك عندما قال: «شعراء الإمارات توارثوا الشعر النبطي من أجدادهم وحكامهم الشعراء، والإماراتيون الذين لا يكتبون الشعر يتذوقونه على نحو لا تراه في بلد آخر»، ولعل تلك الخصوصية التي أشار إليها شرار تتمثل في أسماء كبيرة لشعراء إماراتيين صار شرار نفسه واحداً منهم.

مشوار

منذ وقت باكر بدأت علاقة شرار بالشعر، وهو مازال في يدرس في المرحلة الثانوية، فكان يكتب قصائده الأولى على قصاصات من الورق، وسرعان ما نضجت تلك الموهبة التي صقلها بالقراءة والاطلاع على تراث الشعر الشعبي الإماراتي، فكان يقارع بجدارة ونباهة عددا من فحول القصيد في ذلك الوقت من ستينيات القرن الماضي مثل: علي بن رحمة الشامسي، وسالم الجمري، ومحمد الكوس، وغيرهم من الأفذاذ الذين حفظت أشعارهم تاريخ المنطقة، ولم يكن طريق الشاعر مفروشاً بالورود فقد عانى كثيراً خاصة في مراحل طفولته وصباه بعد أن فقد والدته باكراً فتكفلت خالته بتربيته، ولعل ذلك الأمر أسهم كثيراً في صقل الفتى الذي تعلق قلبه بالشعر والأدب والمعرفة، وكانت الشارقة مسرحاً لصبا الشاعر، حيث ترعرع فيها ودرس في مدارسها في القاسمية فأكمل الثانوية في مدرسة العروبة، والتي تفرغ بعدها للشعر وأصبح هو قضيته التي وهب نفسه لها.

شهادة

بدأت علاقة شرار مع الشهرة والنجومية في وقت باكر عبر مشاركته في إحدى الحلقات التلفزيونية بقناة دبي، التي كانت تبث بالأبيض والأسود، وكانت تلك المشاركة بطلب من الشاعر الكبير علي بن رحمة، والذي أراد أن يقدم شرار للجمهور فكان أن طلب منه مرافقته لأمسية شعرية في برنامج مجالس الشعراء، والحقيقة أن شرار قد استقبل ذلك الأمر بمشاعر متضاربة ما بين الفرحة والفزع من قراءة قصيدة إلى جانب فحول الشعر في ذلك الوقت، فهو كان يرى أن تجربته لم تنضج بعد، ولكن حسم أمره وقدم قصيدة عن شهر رمضان، وقد وجدت تلك المشاركة قبولاً كبيراً من قبل الشعراء والمشاهدين، فما أن انتهت الأمسية حتى جاء الشاعر الكبير سالم الجمري إلى شرار وأشاد بقصيدته ونبوغه وتوقع له مستقبلاً باهراً عندما قال له: «أنت شاعر وستكون مشهوراً يوماً ما»، وكان لوقع كلمات الجمري الذي كان حينذاك من أبرز شعراء القصيدة الشعبية، وقعها الكبير على شرار، حيث كانت بمثابة دافع له في أن يستمر في هذا الميدان الذي أصبح شرار واحداً من أكبر وأبرز فرسانه.

صدى

تعمقت مسيرة شرار في ميدان مجال الشعر الشعبي، وصار شاعراً كبيراً يردد الجميع في الخليج والعالم العربي قصائده، بل وأصبح في فترة التسعينيات من القرن الماضي قبلة لكبار المغنين الذين تنافسوا في نيل قصائده وأشعاره مثل: محمد عبده، وميحد حمد، وعيضة المنهالي، وأصيل أبوبكر، وراشد الماجد، وكذلك مغنّون من أجيال الشباب مثل: رجاء بالمليح، وعادل عبدالله، سيف سالم، وعلي محبوب، وسعيد سالم، وحبيب الياسي، وحسن إبراهيم، وباسل العزيز، ومحمد عمر، وحربي العامري، وغيرهم من المطربين فكان أن خلدت تلك القصائد ورسخت في أذهان الناس في منطقة الخليج العربي، لتخلد بالتالي اسم شاعرها.

صوت الأصالة

تكشف تجربة شرار عن فرادة وعمق في تناول المواضيع والأغراض الشعرية وأسلوبية بارعة، فقد امتلك صوتاً شعرياً ينتمي للماضي ويتجول في الحاضر فهو يمثل صوت الأصالة مع انفتاح على الجديد، ويتميز برهافة حس وجزالة لغة وتميز في اختيار المفردات، ومقدرة فريدة في صناعة الصور إلى حد سيولة اللغة، وحميمة في الإلقاء، وروعة في وصف المكان والتغني بالوطن الذي كان حاضراً ويغطي مساحة كبيرة من خريطة أعماله الشعرية، وظلت القصيدة الشعبية هي محور حياته، وعندما أصبح مديراً لمركز الشارقة للشعر الشعبي، عمل على تطوير ذلك النمط الذي اشتهرت به منطقة الخليج، وصار مهتماً بإنعاشه والحفاظ عليه وفرد مساحات كبيرة له في الحراك الثقافي الإماراتي والاهتمام بالمبدعين الجدد في مجال القصيدة الشعبية.

بصمة

ويعتبر شرار من القلة التي عملت على تجديد مواضيع الشعر الشعبي بحيث يخاطب قضايا جديدة ومختلفة عن تلك الأغراض التي عرف بها، وذلك ما ذكره كثير من الأدباء والنقاد والمهتمين بالشعر الشعبي على نجو ما فعل الأديب عبد الغفار حسين عندما قال عن شرار: «راشد شرار في الصف الأول من الشعراء الشعبيين، الذين حاولوا الخروج من بيئة القبيلة الضيقة التي يطغى عليها الغزل الحسي بالمرأة، وتدور في حلقة ضيقة أيضاً من مفردات لغوية محدودة، إلى آفاق فيها السعة وفيها الرحابة، وعندما يصبح الشعر على هذه الشاكلة من البعد الإنساني، يكون تأثيره على النفوس عميقاً، ويصبح أيضاً قيمة مضافة إلى الأدب الشعبي العربي في الإمارات»، وذلك الحديث ينطبق بالفعل على تجربة شرار الذي صاغ من مفرداته الشعرية خطابا يتناول الواقع وشواغله كما ذهب بصوته الشعري الفريد نحو قضايا الوطن والأمة العربية، وذلك ما جعله ينجح في أن يجعل لاسمه مكانة خاصة وبصمة مختلفة في خريطة الشعر الشعبي في الإمارات ودول الخليج.
علاء الدين محمود

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"