عادي

«الفتاة بياتريس»... اللوحة الأكثر حزناً في التاريخ

ألهمت عدة روائيين وشعراء
19:48 مساء
قراءة 4 دقائق
جويدو ريني
الشارقة: علاء الدين محمود
برع العديد من الفنانين العالميين في تصوير الكثير من المواقف والأحداث التي وقعت في التاريخ عبر أعمال ولوحات وثقت للفظائع وتصدت للظلم ونادت بعلاقات بين البشر يسودها السلام والمحبة، فكانت لتلك اللوحات رسائل تحتشد بالقيم الرفيعة.
الرسام الإيطالي جويدو ريني، «1575 ـ 1642»، ولد في بولونيا لعائلة من الموسيقيين، ونشط فنياً في روما ونابولي، ويعتبر من أهم وأشهر فناني العصر الباروكي، وكان له تأثير واسع على تلاميذه ومبدعي جيله، أظهرت أعماله أسلوباً كلاسيكياً لكنه اهتم أيضاً برسم الأعمال الدينية والموضوعات الأسطورية والاستعارية والحكايات والغرائبيات، وكان من الشخصيات المهمة في مدرسة بولونيا.
«لوحة الفتاة بياتريس»، هي من أهم أعمال ريني وتنتمي إلى أسلوبيته ومنهجيته الإبداعية في تناول القصص والحكايات وتحويلها إلى رسومات وأعمال فنية، واللوحة تعكس قصة مأساوية حدثت في إيطاليا في القرن السادس عشر كانت بياتريس إحدى أبطالها الرئيسيين.
* قصة
كانت الفتاة بياتريس تنتمي إلى عائلة أرستقراطية مشهورة، حيث كان والدها هو الكونت فرانشيسكو تشينشي، وهو أحد أبرز النبلاء في روما وكان من أصحاب الحظوة والنفوذ، غير أن ذلك الرجل اشتهر بالعدوانية المطلقة التي لا تعرف حدوداً، والتهتك الأخلاقي، والسيئ في الأمر أن الرجل وجّه تلك الروح العدائية إلى أفراد أسرته التي لم تنجُ من سقوطه القيمي والأخلاقي، وبسبب ذلك السلوك، سجن الرجل عدة مرات غير أن السلطات كانت تطلق سراحه في كل مرة بسبب نفوذه وعلاقاته الواسعة لكونه ينتمي إلى طبقة النبلاء.
* سجن القلعة
وبعد وفاة زوجة فرانشيسكو الأولى التي كان يعاملها هي الأخرى بقسوة تزوج بأخرى ووجدت ذات المعاملة لكنها كانت تحنو على أبناء فرانشيسكو الذين وجدوا الأمريّن من أبيهم خاصة الفتاة بياتريس، وبسبب تلك المعاملة اللطيفة من قبل الزوجة تجاه الأولاد، ازداد غضب الرجل تجاه زوجته وأبنائه إلى أن قرر أن يبعد أسرته المكونة من زوجته وولديه وابنته إلى قلعة قديمة ومنعزلة كانت تملكها العائلة في ريف روما، حيث تم وضع بياتريس في غرفة مظلمة ومنعت من الاتصال بأي أحد.
* انتقام
أمام هذا الوضع القاسي، قرر كل من الزوجة والابن الأكبر الانتقام من الأب القاسي والتخلص منه، حيث قاما بمساعدة بعض الخدم الذين لم ينجوا من قسوة الرجل، بربطه على عمود وقاموا جميعاً بضربه بمطرقة حتى الموت، وحتى تبدو وفاة الرجل طبيعية، قاموا برمي جثته من قمة القلعة، غير أن السلطات ألقت القبض على أفراد الأسرة جميعاً ولم يتم حتى استثناء بياتريس التي كانت تقبع في غرفة منعزلة ولا تدري شيئاً مما يدور حولها.
* تورط
كان الحكم قاسياً وتورط البابا كلمنت الثامن الذي اشتهر بالقسوة والغرور والجشع الشديد، حيث أمر بتعذيب أفراد الأسرة الأربعة دون استثناء، وتم ذلك الأمر بصورة قاسية، حيث تعرضت الزوجة والولدين والابنة بياتريس إلى أسوأ صنوف التعذيب وأكثرها بشاعة، وأوصى البابا بمضاعفة تعذيب بياتريس بصورة خاصة، وذلك بسبب أنها أصرت على براءتها ووصفت المحكمة بأنها ظالمة وتفتقد أبسط مقومات العدالة، ولم ينجُ من تلك المجذرة إلا الابن الأصغر برناردينو، الذي خفف الحكم عليه، غير أن المحكمة ألزمته بأنه يشهد إعدام أقاربه واحداً تلو الآخر، وحكمت عليه بعد ذلك بالسجن الذي قضى فيه عدة سنوات ليتم نفيه بعدها إلى مدينة «توسكاني»، التي مكث فيها حتى لحظة وفاته.
* احتجاج
كان الناس في ذلك الوقت يتابعون أخبار القضية، وكانوا على علم بكل تفاصيل القصة، فكان أن تعاطفوا مع الأسرة، وأعلنوا عن احتجاجهم الشديد على الحكم لما فيه من قسوة وظلم، ونتيجة لذلك الغضب الجماهيري تم تأجيل تنفيذ حكم الإعدام عدة مرات، غير أن البابا أظهر تشدداً ورفض أي يغير حكمه أو أن يبدي أي رحمة تجاه أفراد الأسرة الأربعة، وسرت شائعة بأن البابا والقضاة كانوا يريدون من وراء ذلك الحكم القاسي أن يصادروا الممتلكات الضخمة لتلك الأسرة، وعلى الرغم من أن بعض المحامين قد تبرعوا بالدفاع عن تلك الأسرة المكلومة إلا أنهم اصطدموا بتعنت البابا الذي سمح لهم بالدفاع عن الأسرة بعد تدخل بعض العائلات النبيلة، غير أن القضاة في النهاية حكموا بالإعدام.
* عبور الجسر
كان يوم تنفيذ الحكم من عام 1599، حزيناً على أهالي روما، وكان على المحكومين أن يعبروا جسراً قديماً تقع عند نهايته الساحة المخصصة للإعدام، حيث بدأ الجلاد بقطع رأس الزوجة لوكريتسيا، وكانت بياتريس تنتظر دورها بوجه شاحب وهي توجه نظرها صوب السماء وتردد بصوت خافت: «يا الله إنك تعلم أنني أموت بريئة»، قبل أن يعالجها الجلاد بضربة الفأس ثم يلتقط رأسها ويلوح به للجماهير الغاضبة والمرعوبة.
* وصف
رسمت اللوحة بألوان الزيت على القماش، ووصفت بأنها أكثر اللوحات حزناً في التاريخ، وفيها تبدو بياتريس وهي ترتدي غطاء رأس أبيض يكشف عن بعض خصلات شعرها الأحمر، وتبدو ملامحها شديدة البراءة وتناسب عمرها الذي لم يكن يتجاوز السابعة عشرة، ويرتسم على وجهها هدوء كان يخفي ما تعرضت له من ألم ومعاناة وما مورس ضدها من عنف، وكان الفنان قد زار بياتريس خلال مكوثها في السجن وطلب منها أن يرسمها، ورغم أنها اعترضت في البداية إلا أنها وافقت تحت إلحاح الرسام.
* رمز
صارت اللوحة أيقونة ترمز للمقاومة ضد الظلم، وألهمت العديد من الفنانين والمبدعين في مختلف المجالات، حيث صارت موضوعاً لسلسلة من الأعمال الأدبية والفنية والموسيقية والسينمائية، كما استلهمها كل من الروائيين البرتو مورافيا، وستندال، وألكسندر دوماس، في بعض أعمالهم، كما أثارت مخيلة الشاعر الإنجليزي شيللي الذي رآها في أحد قصور روما الأثرية وكتب من وحيها إحدى أجمل وأشهر قصائده، وانتشرت اللوحة بصورة واسعة واستنسخت ملايين المرات وظهرت في كثير من المؤلفات والروايات.
راجت بعض الأساطير عن الفتاة بياتريس مثل أنها كانت تظهر فوق الجسر كل سنة بعد وفاتها، وفي الليلة التي سبقت إعدامها ظهرت وهي تحمل رأسها المقطوع، لكن المؤكد أنه وبعد مرور سنوات من تنفيذ حكم الإعدام صار قبرها مزاراً يقصده الناس، وطبقاً لإحدى الروايات فإن واحداً من الجلادين الاثنين اللذين نفذا حكم الإعدام، مات بعدها بـ13 يوماً بفعل تأثير الكوابيس والإحساس بالذنب، بينما تعرض الثاني لطعنات حتى الموت على يد شخص مجهول.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"