العبودية الحديثة

00:29 صباحا
قراءة دقيقتين

علي قباجه

يبدو أن العالم في الوقت الراهن يعود إلى الوراء، أي لما قبل العصور الوسطى، مع انتشار العبودية، حيث ظهرت بشكل مطرد مع تفشي الأوبئة والحروب، إضافة إلى اهتزازات اقتصادية وسياسية، ما يشير إلى أن البشرية تسير في طريق وعر، في ظل توسع رقعة الجوع والفقر والبطالة والصراعات، يضاف إليها الظواهر المناخية التي نشأت أيضاً من صنع البشر.

الأمم المتحدة بثت تقريراً صادماً أوردت فيه أرقاماً مهولة عن أحوال العبودية الحديثة في العالم التي فاقمها في الدرجة الأولى وباء «كورونا»، حيث فُرض على حوالي 50 مليون شخص عمل أو زواج قسري، منهم عشرة ملايين شخص إضافي وجدوا أنفسهم العام الماضي في حالة من العبودية، ويخضع 27.6 مليون شخص للعمل القسري، بينما تزوّج 22 مليون شخص رغماً عنهم، والنساء والفتيات يمثلن 54 في المئة من حالات العبودية الحديثة.

تضاعف الحالات كان ثمرة للصراعات الداخلية وما نتج عنها من ازدياد الهجرات، واضطرار الكثير للعمل في ظروف غير آدمية، إضافة إلى الوباء واضطراب الأسواق وتفاقم الفقر واللجوء إلى هجرات قسرية بسببه، هذه مجتمعة زادت من عوامل العبودية، في حين لا يبدو أن ثمة حلولاً ناجعة لمواجهتها، أو التخفيف منها، فلا التشنج الأمني قل ولا الجوع تراجع، بينما الجفاف أو الفيضانات والحرائق تضرب دولاً بأكملها محدثة ارتدادات هائلة على السكان، لذا فإن الآمال بالقضاء على هذه الآفة بحلول 2030 ستكون ضرباً من الخيال، هذا إذا لم تتضاعف الأعداد بحلول ذلك التاريخ.

لكن ثمة مخارج يقع على عاتق الحكومات فتحها، عبر تطبيق قوانين صارمة بما يتعلق بإنفاد قوانين وعمليات تفتيش العمل، ووضع حدّ للعمل القسري، ومحاربة ظاهرة التزويج القسري الذي يشبه إلى حد ما عمليات البيع والشراء تلجأ لها الكثير من العائلات للهروب من أوضاعها الصعبة. فالدول تستطيع ضخ بعض إمكاناتها وللحد من هذه الظاهرة وتتبع كل من ينتهك الحقوق البشرية ومحاصرته ومعاقبته وجعله عبرة لغيره، سواء كان أفراداً أو كيانات، إذ ثمة أصحاب نفوذ وسلطة هم السبب الأساسي في تهجير شعوب وعرقيات، ويدعمون بشكل غير مباشر العبودية بأشكالها المختلفة.

أوروبا بدأت في سلوك طريق محاربة العبودية، بعدما قدمت المفوضية مشروع قانون يهدف إلى حظر المواد الناتجة عن العمل القسري في السوق الأوروبية بشكل كامل أو جزئي أياً كان مكان تصنيعها أو زراعتها، وهذه خطوة في الاتجاه الصائب، لكن من الضرورة عدم تسييسها واستهداف دولة دون أخرى، إذ لا بد أن يكون نابعاً من مبدأ فقط.

ازدياد العبودية نسف مقولات كثيرة، منها: أن القرن ال21 قد شهد نضوجاً فكرياً ونهضة وتحرراً على الصعد كافة، لكن يبدو أن ذلك ذهب مع الواقع الذي أثبت أن الجشع سمة متأصلة في الكثير من الكيانات سواء كانت قديمة أو حديثة، ولا بد من رادع لها، وإلا فإن القرن الجاري لن يختلف عما سبقه عندما استعبد الإنسان أخاه الإنسان.

[email protected]

https://tinyurl.com/t77b8cmp

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"