مرة ثانية في جبل اللويبدة في عَمّان. في تلك الشوارع المؤثثة بالياسمين منذ أن عرفت الجبل في عام 1980 وحتى البارحة حيث يتجوّل القلب في المكان، وحيث شباب الشاعر قبل أربعين عاماً، وحيث كانت اللويبدة مهبط الكتابة، والروح الصغيرة الأولى للشعر.
مررت البارحة من الشارع الفرعي الصغير حيث يقع مطعم أبو محجوب. مطعم فول وحمص وفلافل فقط منذ أن تأسس في عام 1961، بالقرب من أوّل مقرّ لرابطة الكتّاب الأردنيين في جبل الياسمين، وأسمّي اللويبدة جبل الياسمين لكثرة ما فيها من الزهر الأبيض الحنون المتدّلي بدلال فوق أسوار البيوت، وهي بيوت أردنيين أكارم. أهل كرم وصداقة ومحبة رجال لرجال.
كانت غداءاتنا عند أبي محجوب. وكان محمد القيسي يمازح النادل قائلاً:هاتِ فولاً عليه حمص، وهات حمصاً عليه فول، وحين كبرنا وأحببنا قراءة المعاجم عرفنا أنه حِمَّص (بكسر الحاء وفتح الميم المشدّدة) وليس الحُمّص بضم الحاء.
إلى اليوم يقع مطعم أبو محجوب الصغير الذي يتألف من حجرة واحدة في شارعه وفي مكانه. من هذه الحجرة الصغيرة تأكل فولاً وحِمَّصاً لا يوجد ما هو أطيب منه في عمّان كلّها. وإذا أردت قليلاً من الشطّة الحمراء فلا بأس بها إذا كانت معدتك حجرية، ثم اهبط من الجبل إلى وسط البلد، واذهب من فورك إلى كشك أبي على الملاصق لمبنى البنك العربي. واقرأ الصحف، واشرب الشاي عند علي ابن «أبو علي» الورّاق الرصيفي التاريخي، رحمة الله عليه.
أخذ علي أو أنه أحد أبناء «أبو علي» الكثير من الطيبة والكرم والثقافة عن أبيه. وكل صباح أجلس على مقعد صغير بالقرب من باب الكشك، فيأتيني الشاي بالنعناع. وإذا أردت أطلب صحن كنافة ساخنة ناعمة من المحل الصغير المجاور لأبي علي. ليس أقدم محل كنافة في الأردن وفي عمّان فقط، بل وفي العالم كما قال علي.
أنا دليلك السياحي إذا أردت، ولكن دليلك إلى الكتب والمكتبات في وسط البلد. وسط عمّان الذي لم يتغيّر منذ أكثر من نصف قرن منذ أن عرفت المدينة في شبابك الشعري ذاك. كتب وأرصفة كتب وصحف ومجلّات: «آخر ساعة»، «الهلال»، «روز اليوسف»، وتالياً، «اليوم السابع».
بعد الكنافة والشاي في كشك «أبو علي» أذهب إلى مكتبة صغيرة، فيها ستجد كتب سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية. وأي كتاب بـ 75 قرشاً أردنياً، وهذا اليوم ستكون محظوظاً، فها أنت تشتري النسخة الأخيرة من كتاب «إدوارد سعيد.. أماكن الفكر، تأليف: تِمُثي برنن Timothy Brennan، وترجمة: محمد عصفور.
[email protected]