صعود الصين.. والعالم

تأثير الاستدامة والتكنولوجيا في تنظيم العلاقات الدولية
23:09 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
سكوت إم.مور
سكوت إم مور، مدير البرامج الصينية والمبادرات الاستراتيجية في جامعة بنسلفانيا، ويحاضر في العلوم السياسية فيها. له عدد من المؤلفات وينشر باستمرار في الصحف البارزة الصادرة بالإنجليزية

 تنامى في السنوات الأخيرة الظهور والتأثير الصيني في كل قضية عالمية بارزة، من تغيّر المناخ والذكاء الاصطناعي، إلى التكنولوجيا الحيوية وجائحة كورونا. كيف غيّرت هذه القضايا الجديدة علاقة الصين بالعالم؟ والأهم من ذلك، كيف يمكننا الاستعداد لمستقبل تلعب الصين دوراً كبيراً في صياغته؟

يعيد سكوت إم. مور في هذا الكتاب تصور دور الصين في العالم، مركزاً على الاستدامة والتكنولوجيا. ويجد مور أن التحديات العالمية المشتركة الملحة تعيد تشكيل اقتصاد الصين وسياستها الخارجية، وبالتالي، لا يمكن معالجتها من دون الصين. ويوضح مور كيف يجب على دول مثل الولايات المتحدة أن توازن بين التعاون والمنافسة مع الصين استجابة للتحديات المشتركة. ولا يتناول مور التطورات الرئيسية في الاستدامة والتكنولوجيا داخل الصين، فحسب، بل يتناول أيضاً آثارها في الدول والشركات الأجنبية والمنظمات الأخرى.

 ويوضح المؤلف أن الصين في القرن الحادي والعشرين مجتمع متنوع، بما في ذلك في وجهات نظرها وقيمها. وتمتثل بعض سياسات بكين للقواعد والمعايير الدولية، وتحتفي أجزاء من المجتمع الصيني بالقيم الليبرالية وتمارسها. ولكن بالنسبة إلى قضية التعاون العالمي، فإن نهج بكين للسلع العامة والتقنيات الناشئة قد تشكّل في معظمه من خلال ثلاثة تأثيرات غير ليبرالية في الأساس: القبضة الحديدية في الداخل، والحمائية، والشكل العدواني من القومية. على الرغم من أن هذه التأثيرات ليست فريدة من نوعها بالنسبة إلى الصين، إلا أنها لعبت دوراً بارزاً في السياسة والاقتصاد والسياسة الاجتماعية الصينية لعقود. وكما يوضح المؤلف، فقد تم تنشيطها وإعادة نشرها كأساس لاستجابة بكين للتحديات البيئية والتكنولوجية الأحدث والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي المتنامي للصين يخلق خطراً يتمثل في أن هذه التأثيرات غير الليبرالية ستشوه استجابة العالم لمجموعة من القضايا، بما في ذلك تغير المناخ، والصحة العامة، والتقنيات الناشئة. وإذا فشلت الولايات المتحدة، وغيرها من الدول ذات العقلية الليبرالية، في قيادة الاستجابة للتحديات البيئية والتكنولوجية المشتركة، فقد لا تكون الكلفة مجرد كوكب أجرد، ومستقبلاً أكثر خطورة، ولكن أيضاً حدوث تنافس في القيم الليبرالية بشكل فعال من قبل بدائل بكين غير الليبرالية.

 ويرى المؤلف أن «بكين شرعت طوال أوائل القرن الحادي والعشرين في إعادة التفكير، بشكل أساسي، في العديد من سياساتها وروابطها في ضوء المخاطر البيئية والتكنولوجية المتزايدة. وأصبح التلوث والرعاية الصحية والتعليم من الاهتمامات الملحة للمستهلكين الأثرياء الجدد، ما حث بكين على استثمار المزيد من الموارد بشكل كبير في حماية البيئة والخدمات الاجتماعية، وكذلك التحول من السلع المادية المكثفة إلى السلع القائمة على الملكية الفكرية والتكنولوجيا، مثلها في ذلك مثل الدول الأكثر ثراء. كما أعادت المخاوف البيئية والتكنولوجية تأطير السياسة الخارجية للصين».

 ويقول المؤلف أيضاً في هذا السياق: «استثمرت بكين موارد كبيرة لتصبح ممولاً مهماً لمبادرات الصحة العامة العالمية، وفاعلاً لا غنى عنه في دبلوماسية تغير المناخ، ولاعباً مؤثراً في المنظمات الدولية، مثل البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية التي تساعد في توفير المنافع العامة العالمية. وأصبحت الصين كذلك صوتاً بارزاً في الهيئات الدولية المهمة التي تضع معايير تقنية لاتصالات الجيل التالي، وغيرها من التقنيات الحيوية. ومع ذلك، فإن انخراط الصين المتزايد في مواجهة التحديات العالمية المشتركة لم يؤد إلى تعاون أكبر مع الدول الأخرى، بل بدلاً من ذلك، ازدادت حدة التوترات السياسية والاقتصادية بين الصين ودول أخرى، حول مجموعة من القضايا، بما في ذلك التجارة والسرقة الإلكترونية وبحر الصين الجنوبي. وكان الانقسام الأكثر وضوحاً حول القيم الأساسية، خاصة حقوق الإنسان. ولطالما كانت هذه القضايا نقطة خلافية بين الجمهورية الشعبية والدول ذات العقلية الليبرالية، ولكن طوال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كرست بكين الكثير من قوتها ومواردها في اتباع سياسات اقتصادية مقيدة وحمائية، وإذكاء المشاعر القومية».

 مواجهة التحديات المشتركة

 يؤدي تغيّر المناخ والأوبئة والتكنولوجيات الناشئة إلى تكثيف المعضلة الأساسية التي يطرحها صعود الصين: كيفية مواجهة التحديات المشتركة في مواجهة الاختلافات العميقة في القيم، وكيفية العمل معاً في عدد قليل من المجالات الحرجة بشكل خاص. هذا التوازن في حد ذاته ليس جديداً: بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات ودبلوماسيي القوى الكبرى، فإن التحدي المتمثل في التعاون مع نظرائهم الصينيين في بعض القضايا أثناء التنافس على قضايا أخرى، هو تحدٍ مألوف. لكن الحصول على هذا التوازن بشكل صحيح هو أكثر أهمية وأصعب مما كان عليه في الماضي. 

 وتسمح القوة الاقتصادية والسياسية المتوسعة لبكين بشكل مطرد بجعل الحياة أكثر صعوبة لمجموعة أكبر من البلدان والشركات مما كان عليه الحال في السابق. قد تمتلك أمازون وإيرباص، واليابان والهند، الموارد اللازمة للمنافسة والتعاون في الوقت نفسه مع نظيراتها الصينية. ومع ذلك، فإن البلدان والشركات والجامعات الصغيرة والمجموعات غير الربحية التي تلعب دوراً متزايد الأهمية في علاقة الصين بالعالم لا تفعل ذلك على الأرجح. وبالتالي فإن إعادة تصور صعود الصين من حيث الاستدامة والتكنولوجيا يعني تركيزاً أكبر على التحديات المشتركة، لكنه يعني أيضاً زيادة التركيز على المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية والإيديولوجية. 

 ويوضح الكتاب أن دولة الصين وشركاتها تنظر إلى مجالات مثل البيانات والتعليم وحتى حماية البيئة، على أنها ساحات للمنافسة الاقتصادية والجيوسياسية والإيديولوجية، وكذلك التعاون. ويتطلب التعامل مع التحديات المشتركة والمنافسة الفعالة في القرن الحادي والعشرين ثلاثة تغييرات رئيسية في التفكير والممارسة عندما يتعلق الأمر بالصين:

* أولاً، لا يمكن أن تأتي معالجة التحديات المشتركة على حساب التنافس على الميزة الاقتصادية والجيوسياسية والإيديولوجية، فكلاهما ضروري للاستجابة بفعالية لصعود الصين. كما أن دور الصين المتنامي في الحوكمة العالمية، من الصحة العامة إلى وضع معايير الاتصالات، يخلق خطراً يتمثل في أن القيم غير الليبرالية بدلاً من القيم الليبرالية ستشكل استجابة العالم للقضايا المهمة للغاية في العقود المقبلة. ولحسن الحظ، هناك بعض المجالات، مثل تطوير الطاقة النظيفة، حيث يمكن أن تكون المنافسة مفيدة لكوكب الأرض.

* ثانياً، لا تزال المقاييس التقليدية للقوة والنفوذ، مثل قوة السوق والقوة العسكرية، مهمة في التنافس مع الصين، ولكن في الأصول الملموسة لا تقل أهمية. صحيح أن معظم التقنيات الناشئة تعتمد على مجموعات بيانات كبيرة ومتنوعة ومتعددة الأبعاد، لكن أحد أهم عوامل الابتكار هو القدرة على جذب المواهب الفردية عالية المهارة والاحتفاظ بها، ونشرها. ويتطلب البقاء في الصدارةن اقتصادياً وعسكرياً، وغير ذلك، الاستثمار في الأشخاص والمعلومات والأفكار بقدر ما هو في الطائرات المقاتلة وحاملات الطائرات، والسكك الحديدية عالية السرعة.

* ثالثاً، التنافس على الميزة الاقتصادية والجيوسياسية والإيديولوجية هو جهد يشمل المجتمع بأسره، ولا يقتصر على الحكومات الوطنية. والقاسم المشترك عبر القضايا التي يكتشفها هذا الكتاب هو أن الكيانات غير الحكومية وشبه الحكومية، بما في ذلك الشركات والجامعات والجمعيات الصناعية، تتمتع بدور متزايد في العمل مع النظراء الصينيين لمكافحة تغير المناخ، وتعزيز التعاون العلمي، وصياغة المعايير التكنولوجية المشتركة. لكنهم أيضاً يقفون بشكل متزايد على الخطوط الأمامية لسرقة البيانات والرقابة المرتبطة بالصين والتحديات الأخرى للقيم الليبرالية.

 بناء مجتمعات حرة

يستخدم المؤلف مصطلحات «المجتمعات الحرة» و«الدول ذات العقلية الليبرالية والشركات والمنظمات الأخرى»، في جميع أنحاء الكتاب. وتشير هذه المصطلحات إلى الديمقراطيات المتقدمة في «الغرب»، وكذلك الديمقراطيات النامية، مثل الهند ونيجيريا والتي تلعب دوراً متزايد الأهمية في تشكيل كيفية استجابة العالم لصعود الصين، وعلى الرغم من الاختلاف الشديد، إلا أن هذه البلدان تمارس وتبرز قيماً ومؤسسات مشتركة، بما في ذلك التعددية وسيادة القانون، وإلى حد ما على الأقل، المشاريع الحرة إلى جانب الديمقراطية التمثيلية، والأنظمة القضائية المستقلة في الأغلب، والصحافة الحرة إلى حد كبير.

  يتكون الكتاب من سبعة فصول، يستكشف فيه المؤلف العديد من الجوانب المهمة لكيفية صياغة الصين لمستقبل يتميز بالتحديات المشتركة في مجالات الاستدامة والتكنولوجيا والمنافسة القائمة، بما في ذلك القيم الأساسية والإيديولوجية.

 يؤطر الفصل الأول هذه المناقشة، ويعاين كيفية تميز صعود الصين بالقبضة الحديدية الداخلية والحمائية والسلوك القومي الحاد. ويوضح الكتاب أن مواجهة القمع المتزايد الذي تمارسه بكين في الداخل، والعداء في الخارج، وتحدي القيم الليبرالية في كل مكان، تعني التركيز على التحديات البيئية والتكنولوجية الأحدث، إلى جانب مجالات الاحتكاك التقليدية. يقول المؤلف: «على الرغم من أنها ليست الدولة الوحيدة التي أظهرت ميولاً غير ليبرالية في أوائل القرن الحادي والعشرين، إلا أن الدور المركزي المتزايد للصين في الحوكمة والاقتصاد العالميين يجعل دوافع بكين غير الليبرالية خطرة بشكل خاص. ويكمن اختبار العقود المقبلة في الانتقال إلى مستقبل مشترك، ولكن متنازع عليه في جزء كبير منه من خلال صعود الصين على أنه تأثير غير ليبرالي على كل شيء من إزالة الكربون إلى خصوصية البيانات».

 ويسلط كل فصل الضوء على ضرورة العمل على المشكلات القائمة مع الصين لمواجهة التحديات العالمية المشتركة. والفكرة المشتركة هي أن حاجة الصين والدول الأخرى إلى العمل معاً لا يمكن فصلها تماماً عن المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية والإيديولوجية. وتوفر الفصول أيضاً فكرة مهمة حول كيفية التنافس بفعالية، وهي تتعلق بالأشخاص والأفكار والقيم أكثر من ارتباطها بالتكنولوجيا نفسها. ومع ذلك، على الرغم من أهمية تنافس البلدان والشركات ذات العقلية الليبرالية بشكل أكثر فاعلية عندما يتعلق الأمر بالصين، فإن هذا الكتاب يؤكد أيضاً أهمية إشراك نظرائهم الصينيين، خاصة للمساعدة في تنظيم التقنيات الجديدة التخريبية والخطرة المحتملة.

 يوضح الفصل الثاني هذه النقاط من منظور الصحة العامة. 

 يقول المؤلف: «تعدّ الحاجة إلى منع الأوبئة في المستقبل أحد أقوى الأسباب التي تدفع الصين والدول الأخرى للعمل معاً، لتوفير المنافع العامة. ولسوء الحظ، تُظهر حالة الصحة العامة أيضاً أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، فصل السلع العامة المتأخرة عن التوترات السياسية والجيوسياسية». ويسلط الفصل الثاني الضوء أيضاً على الدور المهم للجهات الفاعلة من غير الدول، ومن دون الدول، في توفير المنافع العامة العالمية، وكيفية تقديم نموذج بديل للتعاون الحكومي الدولي الإشكالي والمسيّس.

  ويركز الفصل الثالث على تغير المناخ والبيئة، ويشدد على أن مساهمات الصين في حماية البيئة كانت كبيرة، إلا أنها لم تحقق ما هو مطلوب لحماية الكوكب، واعتمدت جزئياً على الممارسات الإشكالية. وعلاوة على ذلك، بينما تتطلب معالجة تغير المناخ بلا شك مشاركة الصين، فإن المنافسة بين البلدان والشركات قد تساعد على جعل التكنولوجيا النظيفة أرخص وأكثر كفاءة. 

 ويغطي الفصل الرابع إنتاج المعرفة والتبادل الثقافي الذي يعد أحد أكثر الطرق التي لا تحظى بالتقدير، والتي تساهم بها الصين في المنافع العامة العالمية، وتشكل جزءاً أساسياً من الاستجابة للتحديات البيئية والتكنولوجية. ويرى المؤلف أن المهاجرين الصينيين، والشتات الصيني، أضافوا الكثير إلى النمو الاقتصادي والعلوم والتكنولوجيا والازدهار الثقافي في جميع أنحاء العالم.

 ويسلط الفصل الرابع الضوء أيضاً على حقيقة أن التركيز الجغرافي للمنافسة الاقتصادية والجيوسياسية والإيديولوجية مع الصين آخذ في التحول من العالم المتقدم إلى العالم النامي.

 ويناقش الفصل الخامس الدور الذي يلعبه التطور التكنولوجي والابتكار في تعزيز القوة الاقتصادية والجيوسياسية. ويؤكد المؤلف حقيقة أن استثمارات بكين الضخمة في التكنولوجيا، على الرغم من عدم فعاليتها إلى حد كبير، تخلق مزايا لشركاتها في مجالات معينة. وفي الوقت نفسه، فإن الأصول التي تحافظ على ميزة الابتكار في الولايات المتحدة هي في الأساس أصول غير ملموسة، لا سيما توظيف المواهب، وتبادل المعلومات الحر والمفتوح، وثقافة تتسامح مع الفشل، بل وتبجله.

 ويركز الفصل السادس على خصوصية البيانات والمعلومات الرقمية وكيفية تعزيز أحكام حماية الملكية الفكرية داخل الصين، فالشركات الأجنبية والجامعات والأفراد معرضون بشكل متزايد لخطر سرقة المعلومات الرقمية المرتبطة بالصين والمراقبة خارج حدود الصين. كما تضع بكين الأولوية للأمن والحمائية والسيطرة في السياسة الرقمية والسيبرانية على الشركات الأجنبية.

 ويغطي الفصل السابع وضع المعايير، لا سيما في التقنيات الناشئة للذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة والهندسة الوراثية.

  وتوضح الخاتمة في هذا الكتاب - الصادر عن جامعة أكسفورد 2022 - بشكل كامل كيف ينبغي للحكومات والشركات والمنظمات الأخرى ذات العقلية الليبرالية، أن تستجيب لمستقبل مشترك، وتقدم أيضاً إرشادات لمساعدة الحكومات والكيانات غير الحكومية، بما في ذلك الشركات والعلاقات العالمية والجمعيات الصناعية، على تحديد متى وكيف تتعاون وتتنافس مع النظراء الصينيين.

عن المترجم

نضال إبراهيم
https://tinyurl.com/28zfh9dy

كتب مشابهة

1
كواشينغ زهاو
1
موزس نعيم
1
إيان بريمر
1
ماثيو سبكتر

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
ماثيو تي هوبر
1
مايكل إيود
1
فيفيك شيبر
1
نيل ديفيدسون وجيمس فولي وبن راي
1
جاريد كوشنر
2
كارولا ديتز