صراع أيديولوجي

00:51 صباحا
قراءة دقيقتين

علي قباجه

الصراع الروسي- الغربي، أعمق مما يتصوره البعض، فالاختلاف بينهما قائم، ولا يزال، وسيبقى، لأن أصله فكري وعقائدي، وليس مصالح فقط، هنا أو هناك، يمكن بشكل أو بآخر الاتفاق حولها وتقاسمها بما يضمن لكل طرف ما يصبو إليه. فالرأسمالية الغربية ترى في روسيا التي كانت تتبنى الأيديولوجية الشيوعية الاشتراكية خلال حقبة الاتحاد السوفييتي، تهديداً وجودياً لا يُسمح لها بالصعود والتمدد، على الرغم من أن موسكو تبنت بعد انهيار الاتحاد، وتولي بوتين سدة الحكم، نظاماً اقتصادياً حداثياً رأسمالياً منفتحاً على السوق، لكن ذلك لم يمنع روسيا من التمسك بإرثها، ومحاولة إعادته في السنوات الأخيرة، وقد أكد الرئيس الروسي ذلك مراراً، وفي أكثر من مناسبة، وأشار إلى أن انهيار الاتحاد السوفييتي كان أكبر خطأ جيوسياسي شهده القرن العشرين، وبالفعل بدأ بمحاولة لملمة الخسائر بطرق عدة، وآخرها الحرب على أوكرانيا.

أوكرانيا بالنسبة إلى روسيا ليست نهاية القصة، ففي جعبتها الكثير من الخطط لتفرض نفسها قطباً عالمياً، بينما للغرب هي البداية نحو «التغوّل» الروسي الذي يسعى لابتلاع الدول المحيطة بها، لذا فإن الجميع يسارع الخطى لتوجيه الضربات للآخر، في محاولة الطرفين لتحجيم بعضهما بعضاً. فموسكو ترى أن أوكرانيا امتداد جغرافي تاريخي لها، ولا يمكن فصمه عن روسيا، وترى أن إلقاء الغرب بثقله فيها قبل الحرب، وبعدها، يمثل تحدياً وجودياً لها، ومما زاد حنق روسيا، استغلال ضعفها إبان انهيار الاتحاد السوفييتي، لتبدأ خطوات محو ثقافتها لعقود في أوروبا وأمريكا، خصوصاً في أوكرانيا التي وجهت لها اتهامات بإقصاء الناطقين بالروسية، وممارسة أقصى درجات العنصرية تجاههم، وهذا ما عبّر عنه بوتين، بأن هناك «محاولات غربية تستهدف محو الهوية الروسية»، مبرراً حملته على أوكرانيا بأن بلاده تحاول «حماية الثقافة الروسية والتاريخ الروسي».

وروسيا ترى في الصراع الأيديولوجي، أنه أكثر أهمية وخطورة مما عداه من الصراعات، في ظل تأثيره الكبير والأشد من أي تحرك عسكري، لأن محاربة النمط الفكري لأي دولة يعني محوها من خارطة العالم، تمهيداً لاندثارها، فقد قال بوتين في أحد خطاباته مشيراً إلى الغرب إن «عدوانهم موجه تجاه الدول المستقلة، تجاه القيم التقليدية والثقافات الأصلية»، و«ديكتاتورية النخب الغربية موجهة ضد كل المجتمعات، بما في ذلك شعوب الدول الغربية نفسها»، كما أشار إلى الانحرافات المجتمعية في الغرب، رافضاً نقلها إلى بلاده، ليضع الخطوط العريضة بأن الصراع هو أعمق مما يظنه البعض، ويؤكد أن النظرة التي تجرد الصراع من مضمونه، وتقصره على العسكرة، أو أنه مجرد مناوشات سياسية، هي قاصرة، وغير مدركة لحقيقة الأمر.

التصادم بين الحضارات، سيبقى قائماً، فكل يريد بسط نفوذه ورؤاه، حتى لو تطلب ذلك إحراق دول، أو تهجير شعوب. لذا فإن القادم سيكون صعباً في ظل تمسك كل طرف بما يراه صواباً، ولا يوجد حلاً إلا إذا قررت الأطراف المتصارعة تخفيف الحدّة، والاتفاق على خطوط حمراء لا يتجاوزها أحد.

[email protected]

https://tinyurl.com/5cta4z8u

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"