عادي

تونس على مشارف الجمهورية الجديدة

22:01 مساء
قراءة 4 دقائق

د. محمد عز العرب *

أحد التساؤلات الرئيسية المثارة على الساحة التونسية مرتبط بمدى إسهام الانتخابات البرلمانية التي تشهدها البلاد في 17 ديسمبر (كانون الأول) الجاري في التوصل إلى تسوية للأزمة القائمة منذ عام ونصف العام، بعد قرارات الرئيس قيس سعيّد التي تحولت إلى مشروع للجمهورية الجديدة، فضلاً عن حدود القدرة على التعافي من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

بدأت الدعاية الانتخابية في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، للتنافس بين 1055 مرشحاً على 161 مقعداً، ينخرط في تفاعلاتها سياسيون وبرلمانيون قدامى وجدد، في ظل غياب مرشحين في 7 دوائر انتخابية، من إجمالي 10 مقاعد برلمانية مخصصة للتونسيين المقيمين في الخارج، فيما تنافس في ثلاث دوائر مرشح وحيد، وهو ما يعني فوزهم بالمقاعد بشكل آلي.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه الانتخابات تُجرى بقانون جديد، والذي أقره الرئيس قيس سعيّد في منتصف سبتمبر(أيلول) الماضي، بدلاً من نظام القوائم الحزبية، على نحو أدى إلى اشتراط حصول كل مرشح على تزكية من 400 ناخب مسجل، وإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، بل قد يتم سحب الثقة من النواب في حال تقصيره بمهام عمله، وهو ما أثار جملة من الانتقادات من جانب قوى وأحزاب المعارضة.

ويمكن القول إن هناك مجموعة من الإشكاليات التي تعوق استقرار البلاد، في مرحلة ما بعد الانتخابات البرلمانية، على النحو التالي:

انتخابات بلا أحزاب

1- استمرار مناوأة القوى المعارضة لمشروع الجمهورية الجديدة: ما زالت كتل رئيسية من المعارضة، وخاصة حركة النهضة وأحزاب «التيار الديمقراطي» و«الدستوري الحر» و«قلب تونس» و«ائتلاف الكرامة» المتحالف مع حركة النهضة المنضوين تحت مظلة «جبهة الخلاص الوطني» ترفض مشروع الرئيس قيس سعيّد للجمهورية الجديدة. ولعل ذلك ما دفع أحزاب المعارضة إلى مقاطعة تلك الانتخابات، تحت دعاوى أن القانون الانتخابي الجديد - فضلاً عن قرارات أخرى للرئيس سعيّد- يؤسس لحكم الفرد الواحد، ويدفع لتشكيل برلمان منزوع الصلاحيات والاختصاصات، ويحد من دور الأحزاب في العملية السياسية، وهو ما يفسر الحملات التي تقودها المعارضة لإفشال مسار العملية الانتخابية عبر إقناع قطاعات من الرأي العام بعدم المشاركة في الاقتراع والامتناع عن التصويت.

أزمات اقتصادية

2- ازدياد الضغوط الاقتصادية وتفاقم الأعباء الاجتماعية: يعد أحد التحديات الرئيسية التي تواجه مشروع الرئيس قيس سعيّد استمرار الأزمة الاقتصادية وتداعياتها على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية داخل البلاد، في ظل ارتفاع الأسعار وتزايد معدلات البطالة والفقر. ولعل هذه النقطة تستند إليها قوى المعارضة للمقاطعة بأن هذه الانتخابات ليست حلاً للأزمة الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، وأنها محاولة من الرئيس «سعيّد» لاحتواء مؤقت هذه الأزمات المتفاقمة. ولعل ذلك يفسر تواصل حركة الاحتجاجات المجتمعية لاسيما بعد أن رفعت الحكومة أسعار المحروقات (المازوت – البنزين) للمرة الخامسة خلال هذا العام وذلك في نفس الوقت الذي تشهد فيه أسعار السلع الرئيسية ارتفاعاً غير مسبوق.

كما زاد معدل التضخم من 8.6% في شهر أغسطس الماضي، إلى حوالي 9.2% في شهر أكتوبر الماضي، الأمر الذي أرجعه المعهد الوطني للإحصاء في تونس بتاريخ 5 نوفمبر الماضي إلى ارتفاع أسعار السلع الرئيسية مثل البيض بنسبة 33.3% وأسعار لحم الضأن بنسبة 21.1% وأسعار الزيوت الغذائية بنسبة 20.8% وأسعار الخضر الطازجة بنسبة 18.5% وأسعار لحم البقر بنسبة 15.1% وأسعار الدواجن بنسبة 15، وهو ما يأتي تزامناً مع محاولة الحكومة تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي فرضه عليها صندوق النقد الدولي للموافقة على منح البلاد قرضاً بقيمة 1.9 مليار دولار قبل نهاية العام الجاري.

3- تلويح الاتحاد التونسي للشغل بالتصعيد ضد الحكومة: يمارس الاتحاد التونسي العام للشغل دوراً ضاغطاً على رئيس الدولة وحكومته برئاسة «نجلاء بودن» ويتسم هذا الدور بالتأرجح ما بين التصعيد تارة والتهدئة تارة أخرى، وظهر ذلك في الخطاب السياسي الذي ينتهجه الاتحاد في تعامله مع رئيس الدولة، ومع اقتراب موعد إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة، لوّح الاتحاد بتنظيم بعض التحركات الاحتجاجية الرافضة لفرض المزيد من الضرائب على العاملين في قطاع النقل، وكذلك احتجاجاً على ما وصفه الأمين العام للاتحاد «نور الدين الطبوبي» بتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، إذ يحاول الاتحاد للتأكيد على أهمية عدم إقصائه من عملية الإصلاح السياسي والدستوري التي يقوم بها رئيس الدولة منفرداً مستبعداً الأحزاب والقوى السياسية والمجتمعية.

ارتباك أمني

4- عدم استقرار الأوضاع السياسية والأمنية: من التحديات التي قد تؤثر سلباً في مرحلة ما بعد الانتخابات، اتسام الأوضاع السياسية والأمنية للبلاد بعدم الاستقرار، وذلك في إطار الكشف عن تورط بعض الوزراء والمسؤولين السابقين (25 متهماً من أبرزهم فاضل عبد الكافي الوزير السابق ل«التخطيط والتنمية والتعاون الدولي»، ورئيس حزب «آفاق تونس»، وحكيم بن حمودة وزير المالية السابق، الذي طالما انتقد بدوره الحلول التي لجأت إليها حكومة نجلاء بودن، إضافةً إلى مسؤول أمني ملحق بالبنك المركزي التونسي)، في قضية التآمر على أمن الدولة الخارجي، حيث تم توجيه اتهامات لهم بقصد الاعتداء على الأشخاص والأملاك والتآمر، وإجراء اتصالات مع أشخاص بدول أجنبية. يضاف إلى ذلك الخلايا الإرهابية التي يتم تفكيكها بين الحين والأخر، وكان آخرها الخلية النسائية التي تم الإعلان عنها في 5 نوفمبر(تشرين الثاني) الماضي، وضمت أربع نساء في محافظتي سوسة والقيروان يتّسمن بالتطرف الديني. علاوة على تعاظم الهجرة غير النظامية من جانب الشباب قاطني المناطق الطرفية بشكل خاص.

عرقلة المسار

خلاصة القول إن الانتخابات البرلمانية سوف تُجرى في موعدها رغم التحركات الميدانية لأحزاب المعارضة لإفشالها وإرباك مسار مشروع الرئيس قيس سعيّد لقيام الجمهورية الجديدة. ويظل التحدي الرئيسي الذي يواجه الأخير لا يرتبط بأبعاد مواجهة قوى المعارضة التي تتسم بالانقسام، فضلاً عن قياداتها المغضوب عليها مجتمعياً وضعف حجج خطابها الموجّه للرأي العام، وإنما يتعلق ببلورة آليات لمواجهة تفاقم الاضطرابات الاجتماعية والأمنية في حال تمدد تأثيرات الأزمة الاقتصادية الضاغطة من كل اتجاه.

* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

https://tinyurl.com/38nykd6r

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"