نذكر دائماً ونكتب، أننا تعلّمنا الكثير الكثير من مشروع الشارقة الثقافي: تعلّمنا من العناوين والإصدارات التي راكمها معرض الشارقة الدولي، تعلّمنا أفكاراً في المسرح، وكيف نقرأ العرض المسرحي، ومن هو المخرج، وما هي السينوغرافيا، وما هو الديكور، ومرة ثانية، بالتراكم، التراكم المسرحي منذ الثمانينات وإلى اليوم.
تعلّمنا كيف نقرأ اللوحة التشكيلية، عرفنا ما معنى اللوحة المسندية، تعلّمنا معرفة الألوان، الحارّة منها والباردة. تعلّمنا الضوء وأهميته ومركزيته في اللوحة التشكيلية، وفي اللوحة المسرحية، ومرة ثالثة، كل هذه المعرفة جاءت بالتراكم، التراكم التشكيلي كما التراكم المسرحي الذي أوجده مشروع الشارقة الثقافي..
ما مناسبة هذه الأفكار وهذه المعطيات؟ المناسبة، تتلخّص في السؤال التالي: مَنْ مِنَ الكتّاب والفنانين والشعراء كان على معرفة كاملة نظرية وبصرية في الثمانينات مفادها، أي مفاد هذه المعرفة، أن الترميم، ترميم مبنى في حدّ ذاته هو عمل فني.
إننا نتعلم الكثير من بينالي الشارقة الدولي، والمدهش هنا أن المعرفة الفنية والثقافية والجمالية نكتسبها من المكان، ومن البيئة، ومن الحياة التي تلخّصها معاً أفكار بينالي الشارقة.
مبنى مصنع كلباء للثلج الذي يعود في إنشائه إلى السبعينات من القرن العشرين هو اليوم موقع فني برؤية ثقافية، واجتماعية، وخدمية منطلقة من فكر وفلسفة البينالي، ومن خلال هذا الفكر، نتعلم، إذاً، أن الفنون ليست هي فقط اللوحات، والأعمال التركيبية الكبرى المقامة في مساحات واسعة، وأن الفنون التشكيلية ليست هي فقط اللون والظل والضوء، وأن الفن ليس فقط العمل الأدائي أو العمل الفيديوي، بل إن مبنى أثرياً على حاله أو مُرَمّم هو أيضاً عمل فني يأتي في إطار الرؤية الفكرية للبينالي.
الإضاءة الطبيعية الناجمة عن المبنى، الطابع المعماري الأصلي للمصنع. موقعه وما يحيط به، وما يبثه المكان من روح بصرية تشكيلية، كل ذلك مدروس في فكر البينالي.
حيثيات ومعلومات البينالي تؤشر لنا على مشاريع فنية سابقة من ذات الفكر مثل: مبنى الطبق الطائر، والغرفة الماطرة، واستوديوهات الحمرية، والمباني الفنية في ساحة المريجة. هذا هو فن المكان، وفن الأرض بروح الشارقة التي تراكم المعرفة، وتنظف عين الإنسان من الغبش والرّمد، وتجعله يرى الأشياء الجميلة، ويرى الإنسان الأجمل، فيصبح صاحب رؤية ورؤيا، الإنسان المكتمل بالخير والجمال والإيمان.