كتب ألكسندر بوشكين 1799-1837 قصيدة جاءت بلا عنوان، ولكنني أحسبها «التمثال»، وذلك في عام 1836، وذلك قبل رحيله بعام (ترجمة: الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر)، وبعد مرور أكثر من 180 عاماً على كتابة هذه القصيدة التي تتألف من 21 سطراً فقط،.. أرى أنها كما لو كتبت أمس، قصيدة حياة وحيوية، قصيدة لبوشكين ذاته. قصيدة روحه وثقافته وزمنه.
يحكي بوشكين في هذه القصيدة أنه أقام لنفسه تمثالاً ليس من صنع يد أحد أو بشر. هذا التمثال لن ينمو العشب على الطريق المؤدي إليه. وأكثر عُلوّاً من عمود سمّاه بوشكين: العمود السكندري.
يقول بوشكين إنه لن يموت شيء منه. يقصد لن يموت شيء من الشاعر، وليس من التمثال.
يقول أيضاً: لسوف يسمعون باسم بوشكين (ومرة ثانية ليس التمثال) في روسيا العظيمة، وسوف يلهج بذكره الفنلندي، والسلافي، والتونغزي الذي وصفه بوشكين بالمتوحش والكلميكي ابن السهوب، ويقول إن قومه طويلاً سيظلّون يحبّونه، فهو بقيثارته هزّ المشاعر الخيّرة، وتغنى بالحرية، ونادى بالرحمة على المقهورين، إلى أن يقول في نهاية القصيدة، وقد ابتعد كثيراً عن فكرة التمثال.. (..استكيني لأمر ربّك يا آلهة أشعاري، لا تخشي أذىً أو ضيماً، ولا تأمُلي إكليلاً، تقّبلي المديح والإساءة على حدّ سواءْ، ولا تتنازعي على مكانتك مع
الحمقى..».
إلى هنا انتهت القصيدة، ولكن أين التمثال؟.. لا ينمو العشب على الطريق المؤدي إليه؟
التمثال هو القصيدة في حدّ ذاتها، إنه كل هذا الاعتزاز بالّذات وبالشعر. الشعر المملوء بالرحمة والحرية والنقاء.. النقاء الذي أشار إليه الشاعر د. وليد سيف في مذكراته (الشاهد والمشهود). يقول د. سيف إنه شاهد ذات يوم على شاشة التلفاز عالماً هندياً حصل على جائزة نوبل في الفيزياء يغطس في نهر الغانج المقدّس عند الهندوس على سبيل التطهّر، شأنه في ذلك، كما يقول د. سيف، شأن الملايين من الفقراء والأميين، وكان ذلك العالم يقول: أعلم أن الماء هنا شديد التلوّث، ولكنني أشعر حقاً بالنقاء إذْ أغمر نفسي فيه.
الشعر أيضاً نقاء، شرط إلاّ يكون ملوثاً. والشعر أيضاً مثل نهر هيراقليطس: لا نقطعه مرّتين.
والشعر على نحو ما تمثال، والنحّات هو الشاعر، يصنع مجده بيده، لا بأيدي الآخرين.
* ولكن ماذا بشأن الطريق والعشب؟
* لماذا لا يريد الشاعر أن ينمو العشب على الطريق المؤدي إلى التمثال؟
* ذلك لأنه طريق الشاعر وحده، هو وحده فقط من يسقط من ردائه الحَبُّ والبذار.. وبعد، أَتُقْرأُ هذه القصيدة حقاً كأنها كتبت أمس.. هل بها شيء من الحكمة؟.. ربما، حتى ولو بعد 180 عاماً من الشعر.