الخنساء أوّل أميرة على الشعراء

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

بعد حوالي ٩٥ عاماً ذهبت إمارة ديوان العرب إلى الشاعرة عائشة السيفي، حيث بويع آنذاك أحمد شوقي (١٨٦٨ - ١٩٣٢) بالإمارة من شعراء سوريا ولبنان ومصر والعراق، ثم ظهرت قبل سنوات مسابقة «أمير الشعراء»، ليتنقل اللقب من شاعر إلى آخر، إلى أن انتزعته الشاعرة العمانية السيفي قبل أيام.  بالعودة إلى قراءة ديوان الخنساء (طبعة المكتبة الثقافية - بيروت في العشرينات من القرن الماضي) يتضح لك من خلال حياة الشاعرة الرثائية الكبيرة أنها أوّل أميرة للشعراء، وأيّ شعراء؟ الفحول منهم وأتباع الفحول. لم تكن الخنساء في مقام إمارة الشعراء فقط، بل كانت أيضاً ناقدة «داهية»، وقصتها مع حسّان بن ثابت تقرأها في هذا المقطع من حياة الأميرة التي لم تتوّج على إمارة، بل كانت هي تاج الدموع على أخويها: معاوية وصخر.
قيل لجرير: مَن أشعرُ الناس؟. قال: أنا لولا هذه الخبيثة (يعني الخنساء). قال بشار: لم تقُل امرأة قط شعراً إلا تبيَّن الضعف فيه. فقيل له: أوَ كذلك الخنساء؟ قال: تلك فوق الرجال.
وكان النابغة الذبياني تُضرَب له قُبَّة حمراء في سوق عكاظ فيجلس لشعراء العرب على كرسيّ وتأتيه الشعراء، فتنشده أشعارها فيفضِّل من يرى تفضيله، فأنشدته الخنساء في بعض المواسم قصيدتها الرائية التي في أخيها صخر فأعجبه شعرها وقال لها: اذهبي فأنتِ أشعر من كل ذات ثديَيْن. ولولا أن هذا الأعمى أنشدني قبلك (يعني الأعشى) لفضَّلتكِ على شعراء هذا الموسم فإنك أشعر الإنس والجن.
وكان ممن عرض شعرَهُ في ذلك الموسم حسان بن ثابت فغضِب وقال: أنا أشعر منكَ ومنها. فقال: ليس الأمر كما ظننتَ. ثم التفت إلى الخنساء، فقال: يا خناس خاطبيهِ. فالتفتت إليهِ الخنساء، فقالت: ما أجودُ بيتٍ في قصيدتك هذه التي عرضتها آنفاً؟ قال: قَولي فيها:
لنا الجَفنَاتُ الغُرّ يلمعْنَ بالضُّحى
        وأسيافُنا يقطرْنَ مِنْ نجدةٍ دَمَا
فقالت: ضعّفتَ افتخارك وأنزرتهُ في ثمانية مواضع في بيتك هذا. قال: وكيف؟
قالت: قلتَ: (لنا الجفنات) والجفنات ما دون العَشْر ولو قلتَ: الجفان. لكان أكثر.
وقُلتَ: (الغُرّ) والغُرَّة بياض في الجبهة. ولو قلتَ: البيض. لكان أكثر اتساعاً.
وقلتَ: (يلمعنَ) واللمع شيء يأتي بعد شيء ولو قلتَ: يشرقن. لكان أكثر لأن الإشراق أدوم من اللمعان.
وقلتَ: (بالضحى) ولو قلت: بالدّجَى. لكان أكثر طُرَّاقاً.
وقلتَ: (أسياف). والأسياف ما دون العشرة. ولو قلتَ: سيوف. لكان أكثر.
وقلتَ: (يقطرْنَ). ولو قلتَ: يَسِلنَ. لكان أكثر.
وقلتَ: (دماً) والدماء أكثر من الدم.
 فسكت حسَّان ولم يُحِرْ جواباً.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"