عادي
مدن تكتب التاريخ

شنقيط.. منارة الصحراء الصامدة

00:08 صباحا
قراءة 3 دقائق
المسجد العتيق في شنقيط

الشارقة: جاكاتي الشيخ
تعتبر مدينة شنقيط الموريتانية إحدى أهم المدن التاريخية في العالم العربي والإسلامي، بل العالم كله، إذ تم إدراجها في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، وذلك لصيتها العلمي الكبير الذي جعل اسمها ينسحب على كامل البلاد الموريتانية، نظراً لما تحتوي عليه من كنوز معرفية نادرة، وما خرّجته من علماء وشعراء، جعل كل من زارها أو اطلع على إرثها ينبهر بها.

تقع مدينة شنقيط في ولاية أدرار شمال موريتانيا، وقد مرت بمرحلتين؛ تأسست في الأولى منهما سنة 776م، باسم «آبَيْر» التي توجد أطلالها اليوم شمال شرقي المدينة، وعاشت مزدهرة لعدة قرون، قبل أن تندثر وتدفن في رمال الصحراء، لتنهض بعد ذلك في المرحلة الثانية، وتصير مدينة شنقيط الحالية التي تأسست نحو 1262م.

صِيت علمي

ظلت شنقيط على مدار عدة قرون مركزاً لتقاطع طرق القوافل التجارية في الجزء الغربي من الصحراء الكبرى، ما أهلها لتلعب دوراً دينياً وثقافياً واقتصادياً بارزاً في تلك المنطقة، فكانت منطلقاً لقوافل حجاج غرب إفريقيا المتجهة إلى الديار المقدسة، مروراً بمصر والسودان، وكان علماؤها يأتون إلى مواسم الحح لأداء المناسك والتواصل والتدارس مع غيرهم من العلماء واقتناء الكتب، حتى إنّ بعضهم استقر هناك، فارتبطت المدينة ارتباطاً وثيقاً ببلدان المشرق الإسلامي، واكتسبت شهرة كبيرة، لتمكنها من أن تكون مركز إشعاع علمي وثقافي فريد.

كان أول ذكر للمدينة في المصادر العربية من طرف عبد الرحمن السعدي (المتوفى 1656م) في كتابه «تاريخ السودان» الذي قال: «إنّ قاضي تنبكتو أيام حكم الطوارق لها هو أحد صنهاجيي حاضرة شنقيط ويدعى محمد نضّ وهو الذي بنى جامع سيدي يحيى الشنقيطي»، فيما كان الرحالة البرتغاليون في القرن الخامس عشر الميلادي، هم أول من ذكروها من الغربيين، ووصفوها بأنّها «قرية صغيرة»، وفي أوائل القرن السادس عشر الميلادي، أشار الباحث الألماني المقيم في البرتغال «فالنتيم فرنانديز» إلى شنقيط، واعتبرها ثالث أهم مدينة مأهولة في البلاد في ذلك الوقت.

تعتبر شنقيط الآن أهم الوجهات السياحية الموريتانية، وبالإضافة إلى مكتباتها، يعتبر مسجدها القديم (المسجد العتيق) مزاراً علمياً وروحياً فريداً، ومعلماً مميزاً، حيث يجسد نمط العمارة الإسلامية الصحراوية الصامدة، فقد بُني من الحجارة المحلية والطين، وسعف النخيل وجذوعه، وزُيِّنت منارته بأربع بيضات من بيض النعام، وباتت صورة هذه المنارة الآن رمزاً للهوية الموريتانية.

حاضر

رغم الظروف الصعبة لهذه المدينة التاريخية، والتي زادت من وطأتها موجة جفاف ضربت البلاد في سبعينيات القرن الماضي، فإنها لا تزال صامدة، بوجود سُكان حرصوا على حراسة تراث أجدادهم ووطنهم بل تراث الإنسانية جمعاء حيث يمارسون بعض الأنشطة، مثل زراعة الواحات، بالإضافة إلى بعض الأنشطة الحكومية مثل مهرجان مدائن التراث الذي ينظم كل سنة في إحدى المدن التاريخية الموريتانية.ولكون شنقيط صارت رمزاً لكل موريتاني،، فقد استخدمها الشعراء الموريتانيون بكثرة، وعلى رأسهم الشاعر الكبير أحمدو ولد عبد القادر، حيث يقول في إحدى قصائده:

موكبَ النُّورِ هل ترى من بعيدِ

وجهَ مشتاقك الحزين العميدِ

أنا طيفٌ وخاطر عربِيٌّ

لم يُصافحك بعد موت الجدود

أنا شنقيط هل سمعتَ بوَحْيٍ

من رِمَالي أو دُرَّةٍ من عُقودِي

كنوز ثقافية ثمينة

تحتفظ شنقيط اليوم بكنوز ثقافية ثمينة، من خلال مكتباتها التي تضم قرابة 6000 من المخطوطات النادرة في مختلف المجالات: الدينية والأدبية وحتى في الرياضيات والطب والفلك وغيرها من العلوم، وتوجد هذه المخطوطات في مكتبات أهلية عريقة، منها: مكتبة أهل أحمد شريف، ومكتبة أهل حبَّت، ومكتبة أهل أوداعَه، ومكتبة أهل الخرشي، ومكتبة أهل عبد الحميد، ومكتبة أهل السبتي، وغيرها من المبادرات الشخصية التي تسهر على حفظ وصيانة هذه المخطوطات، رغم ما تواجهه من عوامل التعرية المناخية والزمنية التي تهدد بانقراض إرث إنساني نفيس.

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات
https://tinyurl.com/2svyfyw

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"