يونس السيد
بات من الواضح أن الضربات الاستباقية التي نفذتها إسرائيل في لبنان، خلال الأيام الأخيرة، نقلت المواجهة بين الجانبين المتصارعين إلى مرحلة جديدة يسعى كل طرف من خلالها إلى كسر إرادة الطرف الآخر.
فما شهدته الأيام الأخيرة من تصعيد إسرائيلي غير مسبوق، بدءاً من تفجيرات أجهزة الاتصال، وما تبعها من اغتيالات لكبار القادة الميدانيين في الضاحية الجنوبية لبيروت، ثم الغارات الإسرائيلية الكثيفة على مناطق مختلفة من لبنان، تجاوز ما كان يسمى ب «الخطوط الحمر»، وكسر كل قواعد الاشتباك المعمول بها منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وما قبل ذلك.
كما أن استهداف القواعد والمقار والثكنات العسكرية في شمال إسرائيل والجولان بعشرات الصواريخ وصولاً إلى المجمعات الصناعية العسكرية في جنوب شرقي حيفا، يبعث، في المقابل، برسالة مفادها أن المواجهة مستمرة، وأن الضربات المؤلمة يمكن احتواؤها في حرب غير متماثلة، وأن حسم الصراع لا يزال بعيد المنال وربما لن يكون في متناول أي من الطرفين. يشير إلى ذلك أن إسرائيل أحجمت عن استغلال حالة الارتباك التي أعقبت تفجيرات أجهزة الاتصال في اللحظات الأولى من عملية التصعيد الجديدة، وأن أي تغيير استراتيجي لم يظهر بعد ذلك على خطوط الجبهة أو المعادلات التي كانت قائمة قبل الضربات الأخيرة.
لكن يخطئ من يعتقد أن المواجهة القائمة ليست حرباً مفتوحة بالفعل، وإن لم يعلن عن ذلك رسمياً، فالتصعيد مقابل التصعيد، الذي تقوم به إسرائيل تحت غطاء إعادة مستوطني الشمال، وربط الجانب اللبناني بالمقابل وقف التصعيد بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، ينذر بتطورات خطرة على كلا الجانبين، قد تقود إلى حرب أوسع على مستوى الإقليم وإن كان طرفا الصراع لا يرغبان بذلك انطلاقاً من حساباتهما الخاصة. بمعنى أن الحرب الواسعة تبقى مقيدة، وإن كانت غير مستبعدة، في نهاية المطاف، ليس فقط لكلفتها الباهظة على كلا الجانبين، وإنما لأنها لن تتمكن من حسم الصراع لمصلحة أي منهما، وفق الخبراء والمحللين، وحتى وفق الإدارة الأمريكية التي تشكك في إمكانية قدرة إسرائيل على إعادة مستوطني الشمال، وأنه لا مفر في النهاية من العودة للتسوية السياسية. وثمة عوامل إضافية، في مقدمتها أن الإدارة الأمريكية لا ترغب في الانجرار إلى حرب في الشرق الأوسط عشية الانتخابات الأمريكية.
بين هذا وذاك، يبقى التصعيد الميداني هو العنوان الأبرز للمرحلة الجديدة، حيث يسعى كل طرف للضغط من أجل كسر إرادة الطرف الآخر، إما لتغيير الواقع القائم وتثبيت معادلات جديدة، أو لاستعادة الردع والتوازنات القديمة وقواعد الاشتباك التي كان معمولاً بها منذ وقت طويل، ما يعني العودة إلى حروب الاستنزاف بوتيرة أعلى، وهو ما يرفضه الجانب الإسرائيلي، على الأقل، ويُبقي المواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات.
[email protected]