د. سالم بن ارحمه
السمعة الحسنة، هي رأسمال المرء، وهي عمره الثاني، يبنيه في حياته القصيرة، ليكون عمره المديد، فهي التي تخلِّد ذكرَ صاحبها، وتُورِثه حياةً بعد الممات، وتبقي له ذكراً وثناءً، وحمداً ودعاءً، وتنشر في الآفاق عَرفا وأريجاً.
الجمايل دايمه، والمناصب ما تدوم والكفو لو يندفن، ما تندفن سمعته
بيت شعر مملوء بالحكمة، وهو من الأقوال الخالدة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، اختصر فيه أهمية السمعة وأنها تظل عالقة في أذهان الناس حتى بعد رحيل أصحابها.
والذِّكْرُ الطيبُ معيارٌ من معايير القِيَم والأخلاق يَرجِع إليه الناسُ، ويَزِنُونَ به أقدارَ الأفراد.
ومن قصص الحكمة أن الهدهد تنازع والغراب يوماً على حفرة ماء، كلٌّ منهما يدّعي بأنها له، واختصما ولم يستطيعا حلَّ الخلاف بينهما. وبعد نزاع طويل، اتفقا على أن يحتكما إلى قاضي الطيور، فذهبا إليه وسردا عليه قصتهما، فطلب منهما البينة، فنظرا إلى بعضهما، والتزما الصمت. وعندما طال صمتهما، علم القاضي بأنه لا بيّنة لواحد منهما على الآخر، فما كان منه إلا أن حكم بالحفرة للهدهد! فقال له الهدهد متعجّباً: لمَ حكمتَ لي بالحفرة أيها القاضي؟ فرد القاضي: لقد اشتهر عنك الصدقُ بين الناس، فقالوا: «أصدقُ من هدهد». سكت الهدهد للحظة، ثم قال: إن كان الأمرُ كما قلتَ، فإني والله لستُ ممن يُشتهَر بصفة ويفعل خلافها، هذه الحفرة للغراب، ولئن تبقى لي هذه الشهرةُ، أفضلُ عندي من ألف حفرة.
ولقد حرص على السمعة الطيبة والسيرة الحسنة، والذِّكْر الكريم، أفضلُ البشر، وأكرمُ الخلق، أنبياءُ الله ورسلُه عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فقد سألوا ربَّهم أن يهبهم الذكرَ الحسنَ، ولسانَ الصدق في الآخِرين، فقال الخليل عليه السلام: «واجعل لي لسان صدق في الآخرين». أي: واجعل لي ذكراً جميلاً وثناء حسناً، وسمعة طيبة أذكر بها.
وحرص نبينا صلى الله عليه وسلم على تربية أصحابه وأمته على الحفاظ على السمعة الحسنة، والبُعد عن كل ما يخدشها، وفي قصة زوجته أم المؤمنين صفية رضي الله عنها قال لرجلين لما رآهما ينظران إليهما وهو يمشي معها ليلاً: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي»، فقالا: سبحان الله يا رسول الله أنشك فيك قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً».
وفي الحديث: «كرم الرجل: دينه، وحسبه خُلقه»، وفيه تنبيه على أن الحسب الذي يحمد به الإنسان: ما تحلى به من خصال الخير في نفسه، لا ما يعده من الأشياء الخارجة عنه. ولذا قال عليه الصلاة والسلام: «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه».
وكأن الحسب هو ما يتفرد فيه المرء عن غيره، وهو قيمة الإنسان، أما النسب الكل مشترك فيه
كما قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم لآدم، وآدم من تراب».
واعلم أن السمعة السيئة تصنع التهمة حتى للأبناء.
قال بعض الحكماء: «أفضل ما يورث الآباء الأبناء: الثناء الحسن، والأدب النافع». قال ابن القيم: «حتى إن الرجل الطيب البر لتشم منه رائحة طيبة وإن لم يمس طيباً فيظهر طيب رائحة روحه على بدنه وثيابه والفاجر بالعكس».