هُم الحكمة والحنان

00:22 صباحا
قراءة دقيقتين

قبل أيام، طلبت إدارة الروضة التي يرتادها ابني صوراً للأطفال مع أجدادهم، وذلك لنشرها في حسابات الروضة على مواقع التواصل الاجتماعي في يوم المسنّ.
هذا الطلب جعلني أفكر في الأجداد، فهم ليسوا مجرد مسنّين إنما هم الحكمة تمشي على الأرض، والحنان مجسداً على هيئة بشر، ولهذا يحتفل العالم بهم سنوياً في أيام خصصت لهم بحسب الدول. هم الأجداد الذين نتمنّى أن تمتلئ الأرض بهم ولا يرحلون.
لم يسمح لي القدر أن أحظى بجدٍّ أو جدّة، فقد تُوفّوا قبل ولادتي، ولم أفهم ما تفعله كلمة واحدة حين ننطقها إلا عندما أنجبت أطفالي وشاهدت كيف تلمع أعينهم وهم ينادون جدّهم أو جدّتهم.
في بيت الجد كل شيء مسموح، الفوضى واللعب والحلويات وكل ما هو ممنوع ومصادر ينعم به أطفالنا في بيوت آبائنا، ونقبل بكسر كل القوانين هناك فقط، ومثلما نعلم، يعلم أطفالنا أنهم لن يعاقبوا ويعرفون أين يجدون المأوى والحصن حين يعلو عليهم صوت معاتب أو غاضب، فغالباً ما يهرولون نحو الجدّة أو الجدّ وكأنهم معقل الحماية وقلعة الأمان.
هم مصدر الحكمة والرأي السديد، وكلما عصفت بنا ظروف الحياة، وجدنا أنفسنا نحتمي بظلهم ونلجأ لهم. يربتون على أكتافنا فنهدأ، ويشرعون بتبسيط كل صعب وحل كل معضلة.
لهم قدرة كبيرة على إزالة كل فوضى تحفّنا وإحالتها لسكينة وطمأنينة، وبجملة منهم أو اثنتين يتبدّل الوهم الأسود وينجلي لنرى واقعاً، إن لم يكن وردياً، فهو بالطبع ليس في العمق من السواد.
الأجداد، آباؤنا الذين يحملون أطواق الأمان لنصل إلى البر قبل أن تبتلعنا أمواج الحياة الشاقة، هم الذين يجيدون استخدام القصص لنعرف أخطاءنا من غير أن يشيروا عليها بأصابعهم، ويجيدون استخدام الأمثال لنمسك بخيط جديد يرشدنا للطريق الصحيح، وهم الذين لا ينفكون يعلموننا ماذا تعني كلمات أصالة وتراث وعادات وتقاليد كي لا ننسلخ من عوالمنا ونتماهى مع عوالم لا تشبهنا، من غير رغبة في إغراقنا في الرجعية أو في جهل لا يتناسب مع وقتنا الراهن.
هم أصل المحبة غير المشروطة، وأهل العطاء اللامنتهي، ورحمة الله التي تمشي على قدمين. حفظهم الله ورحم من توفّاه منهم.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"