د. ناصر زيدان
يبدو العالم أمام مشهدية جديدة تختلف بعض الشيء عن النمطية التي درجت عليها الحياة الدولية خلال السنوات المُنصرمة. وهناك سِباق تسلّح بدأ يُطل بصورة متطورة في الفضاء وعلى الأرض، يستفيد من التقدّم التقني والرقمي الهائل الذي وصلت إليه البشرية، والسباق الجديد يستعيد تجارب ماضية كنا اعتقدنا أنها ولّت إلى غير رجعة.
في ثمانينات القرن الماضي خرج سباق التسلُّح بين الجبارين الأمريكي والسوفييتي إلى الفضاء، وأطلق البلدان ما يسمى ب «حرب النجوم» التي أدت إلى إنهاك اقتصادهما، ولاحقاً إنهار الاتحاد السوفييتي في عام 1990، وكان لهذا السباق الأثر الوازن على الانهيار، ولو لم يكُن الأثر الوحيد. لكن الصورة بعد ما يقارب 50 سنة، تختلف، من حيث عوامل السباق، ومن حيث شكل التحالفات وتوزّع القوى، بينما المخاطر تبقى ذاتها على الاستقرار الدولي، إذا لم تكُن على شاكلة أكبر هذه المرّة.
في أعقاب حركية أمريكية نشطة مع تولّي الرئيس دونالد ترامب للرئاسة بولاية جديدة مستعادة، برز الاختلال في موازين القوى على الساحة الدولية، وشعرت غالبية قوى الشرق بأن الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة يتصرّف كأنه يدير العالم، ويوزِّع الأدوار والمهام على الدول والقارات، وذلك ينطبق على الحلفاء وعلى الأخصام، وعلى القريبين والبعيدين، في ضوء توتر عسكري مُقلق بأكثر من ساحة، لا سيما في أوكرانيا وفي العدوان الإسرائيلي المتواصل على الفلسطينيين وعلى دول الجوار.
المنظومة الشرقية التي لم تكن على أفضل حال من التنسيق والتعاون، خرجت عن دبلوماسيتها بعض الشيء، وبدأت في بلورة صيغة تعاون مع أقطاب دوليين آخرين – لا سيما مع دول من مجموعة شنغهاي ولقاء دول «بريكس» لفرض توازنات جديدة تؤكد استحالة ترسيخ الأحادية القطبية في إدارة العالم، ووصل الأمر إلى حد البحث عن معادلات تلغي بعض الامتيازات التي كرّستها منظومة «بريتون وودز» المالية، وإنتاج «سويفت» آخر خارج عن رقابة العملة الأمريكية، وإلى مناقشة صيغ جديدة لعمل منظمة الأمم المتحدة – تحديداً مجلس الأمن – تُخرج الهيئة من دائرة الاستغلال والشلل، وتُنقذ المجلس من مربع التعطيل الذي يفرضه حق «الفيتو» المحصور بالدول الخمس الكبرى، عن طريق إلغاء هذا الحق، أو توسيعه ليشمل دولاً كبرى أو مجموعات مؤثرة أخرى.
الحلقة الأهم من سلسلة البحث عن معادلات دولية جديدة، كان الوثوب إلى ميدان السباق العسكري، بعد المشاهد التي أظهرتها حرب أوكرانيا وعدوان إسرائيل، إضافة للمناورات العسكرية التي أجرتها القوى الكبرى على نطاق واسع، وفي أكثر من مكان من العالم، لا سيما في أوروبا وفي بحر الصين الجنوبي وبحر اليابان، وتبعها الاستعراض العسكري الضخم الذي أجرته الصين في ساحة تيان أن مين مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بمناسبة مرور 80 عاماً على الحرب الكونية الثانية.
روسيا تتمسّك بالتعاون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتُجاري أهواءه السلمية، ورغبته في إنهاء الحرب في أوكرانيا، لكنها لا تريد أن يكون التعاون معه على حساب شراكتها الاستراتيجية مع الصين. والصين فتحت صفحة واسعة للتعاون التجاري مع واشنطن بعد لقاء الرئيسين ترامب وشي جين بينغ في كوريا الجنوبية نهاية أكتوبر/تشرين الأول، لكنها لم تكُن مرتاحة لتصريح الرئيس ترامب عقب اللقاء، والذي أمر فيه البنتاغون بإعادة تفعيل التجارب النووية غير السلمية، رداً على تجربة روسيا لإطلاق صاروخ جديد يعمل بالوقود النووي ويصل إلى أكثر من 14 ألف كلم.
والجفاء الذي كان قائماً بين أركان حلف الناتو – لا سيما بين واشنطن من جهة وحلفائها في لندن وبرلين وباريس من جهة ثانية – تآكل، وعاد التنسيق إلى سابق عهده، والمناورات العسكرية المشتركة تجري في أكثر من مكان، بين يبدو واضحاً أن سباق تسلّح جديداً انطلق من دون هوادة، وهو يشمل الوسائل البحرية والبرية والفضائية، بما فيها من تقنيات رقمية ونووية هائلة. وخارطة الاصطفافات المحورية الدولية بدأت تتبلور شيئاً فشيئاً، والتقارب بين الشركاء التقليديين يسير على قدمٍ وساق.