هاشم البلوشي يعبر البحر الأسود

00:31 صباحا
قراءة دقيقتين

يوسف أبو لوز

بالطبع هو عنوان شعري بامتياز، فلا يستطيع شاعر أن يعبر البحر الأسود، ولا الأحمر، ولا الأبيض، لكن الشعر في حدّ ذاته يفعل «العجايب»، لأنه مادة مركبة من الكناية، والاستعارة، ولذلك نصدقه، نصدّق الشعر حتى ولو كان كذباً، وهو دائماً كذب أبيض لا يؤذي نملة.
أكتب عن المجموعة الشعرية «عابراً البحر الأسود» للشاعر الإماراتي هاشم البلوشي، وكان شاعر البحر الأسود هذا قد كتب طيلة حياته (مواليد 1970 في بوطينة في الشارقة) تحت اسم مستعار هو «هاشم المعلم» حتى كنّا نحسب أنه اسمه الحقيقي، ليتبيّن أن الشاعر كتب أيضاً تحت أكثر من اسم مستعار: الراهب، والسرمد على سبيل المثال، وهو بهذه الأسماء المستعارة يذكرنا بشاعر البرتغال فرناندو بيسوا الذي كتب تحت حوالي خمسين اسماً مستعاراً ليس فيها لا فرناندو ولا بيسوا في حين يستخدم البلوشي اسم هاشم بوصفه اسماً أولياً ثابتاً، وفي كل الأحوال، إن كتب هاشم البلوشي تحت اسم هاشم المعلم أو هاشم الراهب أو هاشم السرمد يظل الشاعر هو الشاعر الأخير الذي يتحدّى نفسه ويعبر البحر.
هاشم البلوشي هو الاسم الشعري الثقافي النهائي والأخير، اسم يذوب في الكتابة، ويُلغي ما قبله، وسوف أفرح بهذه المجموعة الشعرية الجديدة لهاشم البلوشي الذي عرفته منذ أكثر من ربع قرن باسم هاشم المعلم، وسوف أحاول هنا أن أمحو من ذاكرتي الأسماء القديمة للشاعر، وأركّز على عبوره العوليسي للبحر الأسود.
عوليس في الأسطورة لم يضع أكثر من عشر سنوات في البحر الأسود، بل، ضاع في البحر الأبيض المتوسط، لكن هاشماً ليس عوليس، ولا هو العائد إلى إيثاكة لكي يخلّص زوجته بينلوب من براثن الكهنة والانتهازيين الذين كانوا يريدونها زوجة لواحد منهم، وهي كانت تضحك في «عبّها»، في انتظار الرجل الذي غلب البحر.
هاشم هنا بحّار في رصيف ميناء، أو إنه مسافر، والأرجح أنه مسافر، يعبر ضفاف البوسفور، سائحون ونوارس وجوقة موسيقية في طريقه، يعبر البحر الأسود بقبعة من القشّ، بصحبة عازف بوق نحاسي وسط رائحة الخوخ البرّي، وفي طريق الرحلة، يسرد له العازف قصة حياته أو يسرد جزءاً من قصته، ويبدو الاثنان متشابهين، الموسيقي والشاعر، أو الموسيقي والمسافر، والحيّز المكاني واحد: إنه الميناء أو إنه البحر الذي يبتكر الشعر.
هاشم البلوشي من جيل التسعينات الشعري في الإمارات.
ها هو يصدر مجموعة صغيرة، مكثّفة، ملمومة، مكتنزة بالماء والثمار والظلال، ترمز لجيل شعري إماراتي ظلمه النقد الأدبي أو تجاهله، جيل يعبر المحيطات بهدوء وصمت، فيما النقاد يثرثرون ويتثاءبون مثل أولئك العَجَزَة الكسالى الذين كانوا في انتظار البرابرة في قصيدة كفافي.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"