بين 9-9-2009 و9-9-2029، لا تقاس المسافة بعشرين عاماً، بل بما أُنجز فيها.. هنا، على أرض الإمارات، لا يُحسب الزمن بالتقويم، بل بما يُنتزع منه من معنى، وما يُبنى داخله من أثر.. 20 عاماً بين تدشين أول مترو في دبي، وانطلاق خط جديد، والاستعداد لاستكمال شبكة مترو متكاملة بحلول 2032. لكن الحكاية، في جوهرها، ليست حكاية مترو، إنها حكاية دولة جعلت من الزمن مورداً سيادياً، ومن الإنجاز طريقاً لتعريف نفسها أمام العالم.
هذه التواريخ ليست محطات زمنية عابرة، بل علامات على مسار نادر في هذه المنطقة، بين 2009 و2029، لم تعبر الإمارات عقدين من الزمن فحسب، بل عبرت اختبارات قاسية، وأزمات عالمية، وتحولات إقليمية، وخرجت في كل مرة أكثر قدرة على الحركة، وأوسع أفقاً، وأشد تمسكاً بفكرة المستقبل. وهنا يكمن السر: الإمارات لا تتقدم رغم الأزمات، بل تتقدم عبرها. لا تنتظر انقشاع العاصفة كي تبني، بل تجعل من العاصفة نفسها لحظة تسريع، ومن الاضطراب منصة انطلاق.
في 2009، والعالم يعيش أزمة مالية طاحنة، ثبتت الإمارات نفسها بين الأمم الطموحة، وإذا كان مترو دبي أحد عناوين الازدهار في ذلك التوقيت، فإن الأمثلة لا تعد ولا تحصى.
بعد ذلك ب10 سنوات، واجهت البشرية أعتى جائحة في العصر الحديث، التي أرخت بظلالها على كل ركن وزاوية في هذا الكوكب. بالنسبة للإمارات، كان ذلك موعداً لمسيرة طموحة من الازدهار الذي لا يتوقف، والمشاريع الكبرى في شتى المجالات، من النفط والغاز، إلى الطاقة النووية، مروراً بالمشروعات العقارية الكبرى، والمراكز المالية العالمية.
واليوم، وفيما العالم يتلمّس تداعيات ما يجري في الشرق الأوسط، يدشّن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أعمال الحفر في أنفاق الخط الأزرق لمترو دبي. خط، يمتد 30 كيلومتراً، هي في الحقيقة تختصر 30 سنة بمقاييس الدول الأخرى.
بين 2009 و2019 و2029، قفزات إماراتية لا تضاهى، تختصرها صورة مترو دبي.. المشهد الإماراتي عنوان واحد، والتطوير المتسارع في أبوظبي يواكبه تقدّم كبير في دبي، وآخر في الشارقة أو رأس الخيمة، وصورة المترو نموذجاً لمشاريع البنية التحتية الفائقة في دبي تتكامل مع صورة مشاريع أدنوك العملاقة في أبوظبي.
وفي سياق عنوان «تسريع المشاريع» للمرحلة المقبلة، فإن أمام شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، ورشة تطوير تاريخية، هي الأكبر والأهم في تاريخها الممتد منذ عقود.
وقد أعلنت الشركة بالأمس تسريع تنفيذ خططها للنمو عبر استهداف ترسية مشروعات بقيمة 200 مليار درهم خلال 2026-2028 وذلك ضمن خطة الاستثمارات الرأسمالية الخمسية للشركة، وفي إطار التمهيد لمرحلة جديدة تنفذ فيها أدنوك مشروعات عالمية المستوى عبر كامل سلسلة القيمة لأعمالها للمساهمة في تلبية الطلب العالمي على موارد الطاقة.
قبل نحو الشهرين من الآن وعد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بأن الإمارات «بتخرج أقوى»، وها هي اليوم، أقوى، بعدما انتصرت في صد العدوان واليد الآثمة التي امتدت إليها، وهي الآن أشد عزيمة، وتواصل مسار التنمية والبناء والتطوير.
مع كل أزمة عالمية أو إقليمية، تجدّد الإمارات رسالتها بالفعل لا بالقول، ألّا عودة إلى الوراء، وبالتجربة لا بالتنظير، أن غداً في الإمارات دائماً أجمل، وأن الرهان على المستقبل هنا، وليس في أي مكان آخر.
هي فلسفة قيادة، ورؤية قادة، وحلم أجيال متعاقبة من أبناء الإمارات الغيورين على وطنهم، ليبقى الأجمل دائماً.
أما من يريد اللّحاق بركب الإمارات نحو المجد والعلا، فعليه أولاً أن يبدأ قبل عشر سنوات أو ربما 20 عاماً، وأن يتعب ويجد، والأهم أن يمتلك الجرأة.. جرأة الحلم وطموح العمل وفلسفة التحدي.. وأن يكسر قيود الوقت بثقافة «اللا مستحيل».
من يريد اللحاق بالإمارات يتعب، فهي دولة لا تملك أسرار النجاح فحسب، بل تصنعها، وتتحدى المستحيل. فمَن غير حكومة الإمارات يمتلك جرأة تبنّي استراتيجية تحويل 50% من الخدمات والعمليات الحكومية لتعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي «ذاتي التنفيذ» خلال عامين فقط؟
ومن أسرار نجاح الإمارات أنها تدرك أن العالم متغير، وأن الأدوات تتطور، وأن التقنيات تتسارع، وفي هذا السياق، يقول الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «سيكون لدينا أفضل خبراء في العالم بالتحول الحكومي نحو تقنيات الذكاء الاصطناعي.. سيبقى الهدف الأساسي الإنسان، وستبقى غايتنا خلق أفضل بيئة لإطلاق إمكاناته وتحقيق غاياته وبناء حياته الكريمة..».
الإمارات بلد التحولات الجذرية، والسباحة عكس التيار، والاستشراف، وتبنّي غير المألوف. وهذا يعني، أن كل ما رأيناه في الأعوام العشرين الماضية، لم يكن سوى البدايات، وأننا أمام مرحلة جديدة من القفزات الكبيرة التي ستضع الإمارات في مكانتها التي تستحق بين الأمم الطموحة.. الإمارات ستكون قريباً، لكن تبقى النصيحة لا تنتظروا كثيراً.
