في السادس من مايو، على روزنامة الدولة، تحل الذكرى الخمسون لتوحيد القوات المسلحة. لمدة تسعة وأربعين عاماً، ظل هذا الحدث أقرب إلى من يرتدون البزة العسكرية من سواهم، يُحتفى به داخل المؤسسة أكثر مما يُعاش خارجها، كأنه شأن مهني يخص أهله، لا تجربة يومية تتقاطع مع حياة الجميع رغم أنها كذلك.
اليوم، وبعد ما شهدناه في الثامن والعشرين من فبراير، اختلف المشهد.
لم تتغير القوات المسلحة، بل الذي تبدل هو زاوية النظر.
كنا، على الدوام، نفخر بجنودنا البواسل، نُحيي حضورهم ونثق بثباتهم، لكننا، ككثير من المجتمعات المستقرة، لم نكن نرى كامل المشهد. كنا نرى الرمز، ولا نلمس البنية التي تقف خلفه، نرى الصورة، ولا ندرك حجم ما يُبنى في عمقها من إعداد دقيق، للأفراد كما للعتاد.
ثم اقترب التهديد بما يكفي ليكشف ما كان يعمل بصمت. لم يكن الأمر استعراضاً للقوة، بل انكشاف لها. آلاف الاحتمالات التي كان يمكن أن تصل، ولم تصل. مسيّرات وصواريخ كان يُراد لها أن تعبر، فتعثرت قبل أن تُرى. هناك، في تلك المسافة غير المرئية بين الإطلاق والوصول، اختلت حسابات من ظن أن الطريق مفتوح، فاكتشف متأخراً أنه مُحكم الإغلاق.
ليس لأن القوة وُلدت في لحظتها، بل لأن من راهنوا على اختبارها لم يدركوا مداها. أخطأوا التقدير، لأنهم قرأوا الصمت على أنه فراغ، لا على أنه امتلاء. وهنا تحديداً تتكشف المفارقة: بين من يرفع صوته ليُقنع، ومن يخفضه لأنه لا يحتاج إلى الإقناع.
نفهم هذه المعادلة جيداً، فخطابات الضجيج اعتادت أن تُساوي بين الصمت والضعف، بينما في الحقيقة، هناك صمت يُخفي وراءه جاهزية لا تُعلن نفسها إلا حين تُختبر، فإذا اختُبرت، لم تترك مجالاً للشك.
ومن هنا يتشكل الفخر، لا في رد يُقال، بل في واقع يُعاش. فخر بقوة لا تبحث عن إثبات، لأنها صارت، بحد ذاتها، حقيقة تُعيد رسم حدود الممكن لدى خصومها. وفي الجهة الأخرى، يتشكل ذلك القدر من العداء، لأنه، في جوهره، ليس رفضاً لما نُعلن، بل لما نمتلك.
لهذا، لم يعد الاحتفاء بالذكرى حكراً على مؤسسة، بل هو فخر بها. فخر بقوة صاغت الطمأنينة أسلوب حياة، وبعزيمة لا تُرى في ضجيج اللحظة بقدر ما تُلمس في استمرارية الأيام. قوات لا تحرس الحدود فقط، بل تحرس المعنى ذاته: أن تبقى هذه الأرض واثقة، ثابتة، تمضي إلى مستقبلها دون أن تلتفت للخلف.
