ليست كل الخسارات تُرى على الخرائط. بعض الخسارات تحدث في مكان أبعد من الجغرافيا وأخطر من الحدود.. في الذاكرة. وهناك، حيث تتشكل صورة الدول قبل سياساتها، وتولد الشرعية قبل التحالفات، تخوض إسرائيل اليوم واحدة من أكثر معاركها تعقيداً منذ تأسيسها. فالدولة التي نجحت في توسيع حضورها الإقليمي، وتعزيز تفوقها العسكري، وتوقيع اتفاقات سلام كانت تبدو مستحيلة قبل سنوات، تجد نفسها أمام سؤال مختلف تماماً: هل ما تزال تملك الرواية التي صنعت جزءاً كبيراً من قوتها؟
في السياسة، تستطيع الجيوش أن تفرض الوقائع، لكن الوقائع وحدها لا تصنع الشرعية. والتاريخ حافل بقوى نجحت في توسيع نفوذها بينما كانت تخسر صورتها. لم تكن فرنسا تفتقر إلى القوة العسكرية في الجزائر، لكنها خسرت معركة الإقناع. ولم تعجز الولايات المتحدة عن إسقاط نظام صدام حسين في أسابيع، لكنها عجزت عن إقناع جزء كبير من العالم بشرعية ما جاء بعد ذلك. في الحالتين، لم يكن السؤال من انتصر في الميدان، بل من امتلك السردية الأكثر قدرة على البقاء.
هذا هو السؤال الذي يقترب اليوم من إسرائيل، فعلى مدى عقود، تمتعت الدولة العبرية بما يمكن تسميته «الرصيد الأخلاقي التاريخي». لم يكن هذا الرصيد ناتجاً عن القوة العسكرية أو النفوذ السياسي فقط، بل عن قصة تشكلت في الوعي الغربي بعد الهولوكوست، قصة شعب خرج من واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث. كانت تلك الرواية قوية إلى درجة أنها لم تمنح إسرائيل التعاطف فحسب، بل منحتها أيضاً مساحة واسعة من الشرعية.
غير أن المشكلة في الروايات التاريخية أنها لا تبقى ثابتة إلى الأبد. فكل جيل يعيد قراءة الماضي من زاوية حاضره، لا من زاوية الماضي نفسه.
هنا يكمن التحول الأعمق. الأجيال التي حملت ذاكرة الحرب العالمية الثانية بدأت تغادر المشهد. أما الأجيال الجديدة، فهي لا تنظر إلى العالم من خلال صور الأبيض والأسود القادمة من أربعينيات القرن الماضي، بل من خلال شاشات الهواتف التي تنقل الحروب لحظة بلحظة. لم يعد السؤال المركزي لدى كثير من الشباب في أوروبا وأمريكا: ماذا حدث لليهود في القرن العشرين؟ بل ماذا يحدث اليوم في الشرق الأوسط؟
إنه تحوّل في مركز الثقل الأخلاقي نفسه.. من ذاكرة تاريخية تقوم على المظلومية إلى تقييم آنيّ يقوم على الصور المباشرة والمعايير الحقوقية. ولهذا لم يعد غريباً أن تتسع الفجوة بين الأجيال في النظر إلى إسرائيل، أو أن تتحول جامعات غربية كانت يوماً من أكثر البيئات تعاطفاً معها إلى ساحات سجال حول سياساتها.
فالعالم يتعاطف مع الضعيف أكثر مما يتعاطف مع القوي، ويمنح هامشاً أخلاقياً أوسع لمن يقاتل من أجل البقاء مما يمنحه لمن يملك فائض القوة. وهكذا انتقلت إسرائيل، في نظر كثيرين، من موقع الضحية التاريخية إلى موقع القوة التي تُسأل عن أفعالها أكثر مما تُفهم مخاوفها.
فضلاً عن أن الدولة التي بنت جانباً من صورتها الدولية على فكرة الديمقراطية الليبرالية، تواجه اليوم أسئلة متزايدة حول طبيعة التحولات السياسية داخلها. فصعود تيارات قومية ودينية متشددة، وبروز شخصيات مثيرة للجدل في المشهد الحكومي، لم يغير فقط شكل النقاش الداخلي الإسرائيلي، بل أثّر أيضاً في الطريقة التي ينظر بها كثيرون إلى إسرائيل في الخارج.
لكن المسألة لا تتعلق فقط بإسرائيل، بل بالعالم الذي تغير من حولها. ففي القرن العشرين كانت الدول الكبرى قادرة إلى حد كبير على إدارة صورتها عبر الحكومات والإعلام التقليدي. أما اليوم فقد أصبح كل هاتف منصة إعلامية، وكل صورة حدثاً سياسياً، وكل رواية عرضة للطعن والمراجعة. لم يعد أحد يحتكر السردية، ولم تعد الشرعية تُمنح لعقود طويلة دفعة واحدة، بل تُختبر كل يوم.
من هنا، لا تبدو المعركة الأهم التي تواجهها إسرائيل اليوم معركة حدود أو صواريخ أو توازنات عسكرية. تلك المعارك تعرفها جيداً. أما المعركة الجديدة فتدور في مساحة مختلفة تماماً، في الوعي، وفي الرواية، وفي قدرة الدولة على تفسير نفسها أمام عالم يتغير بسرعة أكبر من أي وقت مضى.
فالتاريخ لا يطرح على الدول سؤال القوة إلا مرة واحدة. أما سؤال الشرعية، فيعيد طرحه مع كل جيل جديد. وربما تكون هذه هي المعضلة الحقيقية التي تواجه إسرائيل اليوم: ليست كيف تنتصر، بل كيف تحافظ على القصة التي جعلت الآخرين يرون في انتصاراتها شيئاً أكثر من مجرد انتصارات.
فالدول لا تسقط دائماً عندما تُهزم جيوشها، أحياناً تبدأ رحلة التراجع يوم تتوقف الأجيال الجديدة عن الإيمان بالقصة التي قامت عليها تلك الدول. وحينها لا تصبح المعركة على الأرض، بل على الذاكرة. ولا يكون السؤال من يملك القوة، بل من يملك الرواية الخالدة.
