الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عندما يلتقي الطموح الإماراتي بالدقة الألمانية

9 سبتمبر 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 9 سبتمبر 00:09 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
عندما تُذكر ألمانيا في محيطنا العربي والإماراتي، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن غالباً هو دقة صناعتها، فعلاماتها التجارية محفورة في ذاكرتنا وفي تفاصيل حياتنا اليومية، من السيارات إلى الأجهزة والآلات.
وحين تُذكر الإمارات في ألمانيا، تحضر صورة مختلفة: بلد حديث، مدن مبهرة، شمس وصحراء، سياحة راقية، أسواق عالمية، ومطارات وشركات طيران تصل أوروبا بالشرق والعالم، وأمن وأمان، وهي صورة تجمع شيئاً من سحر الشرق مع ملامح دولة حديثة لا تتوقف عن التجدد.
لكن زيارة البلدين تكشف شيئاً أعمق من الصورتين.
حين تدخل ألمانيا قادماً من دولة أوروبية أخرى، سرعان ما تشعر بأنك أمام طريقة مختلفة في إدارة التفاصيل: دقة في الإنجاز، وضبط في القوانين، وتخطيط في المدن والبنية التحتية، واحترام للنظام. وحين تصل إلى الإمارات، يبدأ الانطباع منذ اللحظة الأولى في المطار: فخامة وجودة في الخدمات، وسهولة في الإجراءات، ونظام تقني في التعامل، وبنية تحتية صُممت لتجعل الحياة أكثر كفاءة وانسيابية.
هنا ربما يلتقي البلدان أكثر مما توحي به المسافة بينهما.
من هذه الزاوية يمكن قراءة زيارة الدولة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا.
الواقع أن الزيارة ليست مجرد محطة جديدة في علاقة دبلوماسية بدأت عام 1972، ولا مناسبة لإضافة اتفاقيات إلى سجل طويل من التعاون، إنها لقاء بين دولتين محوريتين في منطقتين محوريتين، تمتلك كل منهما عناصر قوة تجعل العلاقة بينهما مؤهلة لأن تنتقل إلى مستوى استراتيجي أكثر عمقاً.
ألمانيا هي القلب الصناعي والاقتصادي لأوروبا، وقوة بحثية وتكنولوجية كبرى، يصعب تصور مستقبل الاقتصاد الأوروبي من دون حضورها. والإمارات، في المقابل، أصبحت مركزاً للمال والطاقة والاستثمار والتجارة والطيران والتكنولوجيا، ونقطة اتصال بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، ودولة يتسع تأثيرها السياسي والاقتصادي في منطقة تشكل أحد أهم مفاتيح الطاقة والتجارة والأمن في العالم.
وهنا تتحول الجغرافيا من مجرد خريطة إلى فرصة، ففي الإمكان من خلال البلدين بناء طريق استراتيجي يصل القوة الصناعية والتكنولوجية الأوروبية بالطاقة ورأس المال والأسواق وشبكات التجارة في الشرق. هذا الطريق لا يبدأ من الصفر، فالعلاقات بينهما تمتد لأكثر من خمسة عقود، والتجارة السنوية تخطت ال15 مليار دولار، فيما أصبحت المصالح الاقتصادية والاستثمارية بينهما أكثر تنوعاً وتشابكاً، لكن الأرقام، على أهميتها، ليست القصة كلها.
إن أهمية زيارة الدولة التي يقوم بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد لإلمانيا تأتي في عالم يعاد تشكيله، حيث الطاقة أصبحت قضية أمن قومي، والذكاء الاصطناعي يعيد رسم خرائط القوة، والتكنولوجيا أصبحت جزءاً من السيادة، وسلاسل الإمداد دخلت حسابات الأمن والاستقرار. وفي عالم كهذا، لا يكفي أن يكون للدول شركاء تجاريون، إنها تحتاج إلى شركاء موثوقين للمستقبل.
وهنا تبدو الشراكة ضرورية، حيث ألمانيا تمتلك الصناعة والمعرفة الهندسية والجامعات ومراكز الأبحاث والتكنولوجيا، والإمارات تمتلك رأس المال طويل الأجل، والطاقة، والبنية التحتية المتقدمة، والموقع، وسرعة القرار والإنجاز، وشبكة علاقات اقتصادية عالمية، إلى جانب طموح واضح لأن تكون في مقدمة دول العالم في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الجديد.
لذلك، فإن الطاقة والاستثمار والذكاء الاصطناعي والابتكار ليست ملفات متفرقة على طاولة الزيارة، بل أجزاء من سؤال واحد: ماذا يستطيع البلدان أن يبنيا معاً للمستقبل؟
من المؤكد أن السياسة حاضرة أيضاً، فالزيارة تأتي في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، أثبتت فيه الأزمات أن الدول تحتاج إلى علاقات تعمل في الأوقات الصعبة، لا في أوقات الازدهار فقط. وقد عكس التواصل السياسي المكثف بين أبوظبي وبرلين خلال الفترة الماضية قوة العلاقة، ووسعت زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى الإمارات، هذه العلاقة من الاقتصاد والاستثمار إلى حوار أعمق حول الأمن والاستقرار وقضايا المنطقة والعالم.
وهذا ما يمنح زيارة صاحب السمو رئيس الدولة دلالة تتجاوز بروتوكول زيارة الدولة الرفيع.
فبعد أكثر من نصف قرن من العلاقات الدبلوماسية، تغير البلدان كثيراً، حيث عززت ألمانيا موقعها قوةً مركزية في أوروبا، فيما انتقلت الإمارات من مرحلة بناء الدولة إلى بناء مكانتها قوةً اقتصادية واستثمارية وتكنولوجية ذات حضور عالمي.
وربما حان الوقت أيضاً لأن تتغير الصورة التي يرى بها كل مجتمع الآخر.. أن يرى الألماني في الإمارات أكثر من شمس وصحراء ومدن مبهرة، وأن يرى دولة بنت نموذجاً في الإدارة والخدمات والتخطيط، وتسعى إلى أن تكون شريكاً في صناعة مستقبل التكنولوجيا والطاقة المتجددة والخدمات المالية والأعمال.
وأن نرى نحن في ألمانيا أكثر من سيارة متقنة الصنع وآلة دقيقة، فنرى شريكاً يمتلك المعرفة والصناعة والبحث العلمي والتكنولوجيا التي يحتاج إليها اقتصاد المستقبل.
وعندها لا يعود السؤال: ماذا تستطيع ألمانيا أن تبيع للإمارات، وماذا تستطيع الإمارات أن تستثمر في ألمانيا؟
السؤال الأكثر طموحاً هو: ماذا يستطيع البلدان أن يبنيا معاً؟.
ربما هذه هي الرسالة الأعمق للزيارة. فبين أبوظبي وبرلين آلاف الكيلومترات، لكن ما يقرّب الدول ليس الجغرافيا وحدها، بل المصالح والثقة والرؤية المشتركة للمستقبل.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة