الإسلام‮..‬ وصناعة الإنسان

00:47 صباحا
قراءة 3 دقائق

اهتم الإسلام اهتماماً‮ ‬كبيراً‮ ‬بصناعة الإنسان باعتباره الصانع الحقيقي‮ ‬للحياة والمستخلف من قبل الله عز وجل بالبناء والتنمية وتعمير الكون،‮ ‬فقد تحمل الإنسان أمانة الإعمار والتعمير والبناء من دون الخلائق كلها،‮ ‬كما قال ربنا سبحانه‮: «‬إنّا عرضنا الأمانة على السّماوات والأرض والجبال فأبين أن‮ ‬يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوماً‮ ‬جهولاً‮».‬
وتتلخص جوانب المهام الكبرى الواجبة على الإنسان في‮ ‬عبادة الله سبحانه لقول الله تعالى‮: «‬وما خلقت الجنّ‮ ‬والإنس إلا ليعبدون‮»،‮ ‬ثم في‮ ‬إعمار الأرض لقوله تعالى‮: «‬اعبدوا اللّه ما لكم مّن إله‮ ‬غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها‮».‬

ولكي‮ ‬يؤدي‮ ‬الإنسان هذه المهام الكبرى‮ ‬يسر الله سبحانه له الطريق إلى ذلك،‮ ‬فسخر له ما في‮ ‬السموات والأرض،‮ ‬والتسخير معناه‮: ‬جعلها في‮ ‬متناول‮ ‬يده ونطاق عقله وقدرته،‮ ‬كما أمده بالقدرات الجسمية والعقلية والنفسية والقيم الدافعة التي‮ ‬تمكنه من أداء هذه المهام‮.‬
وبالنظر في‮ ‬مؤشرات التنمية البشرية التي‮ ‬أقرتها الأمم المتحدة نجد أن الإسلام سبق في‮ ‬تحديدها وزاد عليها مؤشرات ترتبط بالجوانب النفسية والاجتماعية،‮ ‬وبهذه المؤشرات‮ ‬يتم بناء الإنسان وتنمية شخصيته وقدراته،‮ ‬ومن هذه المؤشرات ما‮ ‬يلي‮:‬
‮- ‬التعليم،‮ ‬فالعلم نور‮ ‬يكشف به الإنسان طريقه في‮ ‬الحياة ويتعرف به إلى الكون وما فيه من كائنات لاستخدامها في‮ ‬تسيير الحياة وتحقيق التقدم والرقي،‮ ‬وبه‮ ‬ينمو العقل الإنساني‮ ‬وتتطور الحياة إلى الأفضل،‮ ‬فبالعلم تنتج التكنولوجيا التي‮ ‬تعرف بأنها‮ «‬استخدام نتائج البحث العلمي‮ ‬في‮ ‬تطوير الإنتاج»‮.‬

والعلم في‮ ‬المفهوم الإسلامي‮ ‬كل إدراك‮ ‬يفيد الإنسان توفيقاً‮ ‬في‮ ‬القيام بمهامه الكبرى في‮ ‬الحياة،‮ ‬وبذلك فإن العلم في‮ ‬نظر الإسلام‮ ‬يشمل العلوم الدينية والعلوم الحياتية‮.‬
وهنا تكفي‮ ‬الإشارة إلى مكانة العلماء وطلاب العلم في‮ ‬الإسلام،‮ ‬حيث‮ ‬يقول ربنا عز وجل‮: «‬يرفع اللّه الّذين آمنوا منكم والّذين أوتوا العلم درجات‮»‬،‮ ‬ويقول صلّى اللّه عليه وسلم‮: «‬من خرج في‮ ‬طلب العلم كان في‮ ‬سبيل اللّه حتّى‮ ‬يرجع‮».‬
‮- ‬الصحة: وهي‮ ‬المؤشر الثاني‮ ‬من مؤشرات التنمية البشرية،‮ ‬والمحافظة على صحة الإنسان تتحقق بأساليب،‮ ‬منها‮: ‬التغذية السليمة والمنتظمة ولذلك حرم الله تعالى الإسراف في‮ ‬الطعام والشراب فقال سبحانه‮: «‬يا بني‮ ‬آدم خذوا زينتكم عند كلّ‮ ‬مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنّه لا‮ ‬يحبّ‮ ‬المسرفين».‬
والصحة الوقائية تتحقق بالنظافة،‮ ‬ولذلك كان الوضوء والغسل من فروض الإسلام،‮ ‬كما تتحقق بالبعد عن مسببات الأمراض مثل الأطعمة والمشروبات المحرمة كالميتة والخنزير والمسكرات وغيرها مما هو ضار ومتلف لصحة الإنسان‮.‬
وتتحقق الصحة أيضاً‮ ‬بالعلاج من الأمراض عن طريق التداوي،‮ ‬والرسول صلّى الله عليه وسلّم ‮ ‬يقول‮: «‬تداووا عباد الله،‮ ‬فإن الل عزّ‮ ‬وجلّ‮ ‬لم‮ ‬ينزّل داء،‮ ‬إلا أنزل معه شفاء،‮ ‬إلا الموت،‮ ‬والهرم‮».‬
وتتحقق الصحة كذلك بممارسة الرياضة المفيدة،‮ ‬وقد اهتم الإسلام بالإنسان روحاً‮ ‬وبدناً،‮ ‬فوفر للروح حاجتها وأسباب سعادتها،‮ ‬وفي‮ ‬الوقت ذاته لم‮ ‬يهمل البدن وعوامل قوامه وقوته‮..‬ومن مشهور كلام النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮:«‬المؤمن القوي‮ ‬خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف،‮ ‬وفي‮ ‬كل خير‮».‬ومن هنا‮ ‬يأتي‮ ‬دور الرياضة كوسيلة فعالة لتقوية الجسم،‮ ‬فهي‮ ‬بهذا مطلب شرعي‮.‬

وتتحقق تنمية الإنسان وزيادة قدراته من المشاركة المجتمعية الإيجابية داخل الأسرة عن طريق صلة الرحم والعلاقة الجيدة مع الجيران في‮ ‬السكن والعمل والأقارب بالإحسان إليهم،‮ ‬وعلى مستوى المجتمع بالمشاركة في‮ ‬العمل العام سياسياً‮ ‬واجتماعياً‮ ‬والاهتمام بأمور المسلمين،‮ ‬وهذه كلها سلوكيات أمر بها الإسلام في‮ ‬نصوص عديدة منها قوله تعالى‮: «‬واعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً‮ ‬وبالوالدين إحساناً‮ ‬وبذي‮ ‬القربى واليتامى والمساكين والجار ذي‮ ‬القربى والجار الجنب والصّاحب بالجنب وابن السّبيل وما ملكت أيمانكم إنّ‮ ‬اللّه لا‮ ‬يحبّ‮ ‬من كان مختالاً‮ ‬فخوراً‮».‬
كما‮ ‬يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ‮ «‬من لم‮ ‬يهتمّ‮ ‬بأمر المسلمين فليس منهم،‮ ‬ومن لم‮ ‬يصبح ويمس ناصحاً‮ ‬للّه ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامّة المسلمين فليس منهم‮».‬
أيضاً ‬يتحسن وضع الإنسان وترقى حياته بتوفر دخل مناسب له من خلال الكسب الحلال لمواجهة نفقات المعيشة،‮ ‬ولذا حث الإسلام على السعي‮ ‬لكسب الرزق،‮ ‬فقال الله تعالى‮: «‬هو الّذي‮ ‬جعل لكم الأرض ذلولاً‮ ‬فامشوا في‮ ‬مناكبها وكلوا من رّزقه وإليه النّشور‮».‬ كما حث على أن‮ ‬يكون للإنسان حرفة،‮ ‬فلقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله‮: «‬إنّ‮ ‬اللّه‮ ‬يحبّ‮ ‬المؤمن المحترف‮».‬
ومن هنا رفض الإسلام البطالة ودان سلوك من‮ ‬يتقاعس عن العمل والإنتاج وقال الفقهاء‮: «‬البطالة حتّى لو كانت للتّفرّغ‮ ‬للعبادة،‮ ‬مع القدرة على العمل،‮ ‬والحاجة إلى الكسب لقوته وقوت من‮ ‬يعوله تكون حراماً‮».‬
✽‬أستاذ الاقتصاد الإسلامي‮ ‬بجامعة الأزهر

د‮. ‬محمد عبد الحليم عمر‮ 

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"