الحياة الأجمل

رأي ثقافي
03:53 صباحا
قراءة 3 دقائق

ليس هناك حل إلا أن تقع في غرامها، وليس لك إلا أن تسكنك أينما ذهبت، فأنت تقارن كل شيء في حياتك بقربها، فهي المنزل الذي يعشقه الفتى وهي الفؤاد الذي يحن إليه كلما ارتحل بعيداً عنه، تلك مدينتك التي تسكن إليها وتسكن فيها، ويصبح لك مع أشيائها حكايات وقصص قديمها وجديدها، فالمدن في العادة هي الحبيب الذي يسكنه الحبيب وتسكنه أنت، لذا فإن علاقتنا التي ننسجها في إطارها تبقى زمناً وعمقاً أبعد لحضورها في القلب، بعض البيوت القديمة أصبحت خراباً، سكنتها الهوام، ونمر بها فنتندر بحكاياتنا حولها، وقد نسمي الأشياء بغير اسمها، فتلك الفرجة الصغيرة التي أسفل الجدار يخرج منها صاروخ كلب الجيران ليقطع الطريق على من يمر من هناك، وفي رأس السكة عند عمود للكهرباء قديم متهالك كانت تجلس امرأة عجوز تبيع النخي والبرميت وأشياء أخرى، أشجار اللوز والسدر والشريش كثيرة والرمال بيضاء نقية، وهناك أشياء كثيرة تميز هذه المدن في ذلك الزمن غير جمال البشر والأشياء، كنا نعرف نسيم البرّ ونسائم البحر عندما تهب، ونسمع أصوات النوارس وعصافير المساء تأوي إلى السدرة الكبيرة في وسط الحوش الكبير، في الصيف كنا ننام على المنامة في منتصفه أو تعتلي السطح وإذا وقفا رأينا أطراف المدينة على مدّ البصر لا يحدّ بصرنا حدّ ولا يمنعه مانع، والبراحة فسحة وفضاء نجدها بين كل حيّ وآخر، هي ملعب ومجلس ومكان للاحتفال بالأفراح والمناسبات .

في تلك المدن لا نتسلق سلالم أكثر وننام في كل مكان ونلعب في رمل الحيّ ومعه، فالحيّ والمدينة محدد ثقافي نمارس من خلاله رفاه المدينة، ومع المعاصرة تتغير الأشياء ولا تبقى على حالها، فتصبح المدن مع ذلك حديثة تتعاطى المدنية الجديدة في إطار أشبه بتأثيرات العولمة، وتغير مع ذلك أنواع الرفاه وأشكال العيش، لكن قواعد الرفاه والاستدامة تبقى واحدة، فالمدينة ليست حقا لمن يعيش فيها اليوم فقط، وإنما هي حق لمن يأتي إليها مستقبلاً أيضاً، فتصبح الحدائق جزءاً مهماً تتنفس فيه المدن ويتنفس من خلالها سكانها، لكن الحدائق قد لاتكون كافية فالمدينة تحتاج إلى الفضاءات والمسطحات المائية والمحميات البيئية والفضاءات حولها، كبادية قريبة للخروج من أسر الأسمنت والطبيعة الجامدة لإطلاق الفكر والبصر، المدينة تحتاج إلى مقاعد في مقاهٍ وفضاءات وحدائق بعدد سكانها تقريبا تستعيض فيها المجالس والبراحات، لا يهم حجم المدينة وارتفاع مبانيها فمدينة كنيويورك كثيرة الحدائق، بل إن سنترال بارك تستقبل سنوياً ما لايقل عن خمسة ملايين من السياح يقصدونها في سياحة بيئية وتعد محمية طبيعية ووجهة سياحية، فالحدائق والفضاءات تصبح محمية اجتماعية تخفف من ضغط الحياة وتقلل من الممارسات الحادة بين البشر .

تقدم الشارقة نموذجا ثقافيا يتكامل مع الفعل والحراك الثقافي وفق مفهوم مهم وهو أن الثقافة تتجاوز المعرفة إلى فن العيش، فمع الاستدامة المعمارية نتلمس مسائل تتعلق بالفضاء والمسطحات المائية تنعكس في محمية واسط التي تمتد في أطراف المدينة تقابلها من ناحية الغرب بحيرات الخان والممزر، وحيث عملت هيئة البيئة على إحاطة الفضاء الخارجي للمدينة بمناطق برية للتنزه والخروج من أسر الأسمنت إلى مناطق البطايح والبداير، عدا عن الحدائق والأحزمة الخضراء والمنتزهات وأدوات الثقافة البيئية من حدائق الحيوانات والمتاحف الحيوانية، فالعلاقة التى تبنى مع البيئة في إطار تسلل مع الثقافة والمعمار والمعرفة تتمكن مع المجتمع .

المدينة التي تمتلك استدامتها تصنع رموزاً وسمات ثقافية لا ترتبط بالمعمار والترات الثقافي والمادي والشفاهي فقط، ولا حتى في التنوع الذي تصنعه البيئة الجغرافية، ولكن في الاتجاه غير الملموس الذي يدفع إلى الإبداع الثقافي نتيجة التجانس مع البيئة المحيطة واحترامها وتقدير مكوناتها، فكم من طيور مهاجرة كانت تأتي إلينا فنسمع نشيدها في أول الصباح أو ساعات المساء الأولى، وكم من شيجرات وأزهار تتنوع لا نجدها الآن دمرتها عجلات الدراجات النارية وأكياس البلاستيك، فالبيئة مكون ثقافي مرتبط بنوع الإنسان ومنتجه الثقافي والخلل عندما يكمن في سلوكنا تجاه مكونها يشوه منتجنا الثقافي.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"