البرتغاليون مرّوا من هنا

قراءات لزمن قلق
02:43 صباحا
قراءة 3 دقائق
* أكثر ما تحتاجه الأجيال الشابة، الوعي بالتاريخ، وإدراك تقلباته وجدليته، وتحصين معرفتها من التجهيل بتاريخها، والانجراف وراء أساليب التضليل الاستشراقية، الماهرة في لوي عنق التاريخ، وإفقاد المنكوبين بالغزو أو القرصنة ذاكرتهم الوطنية .
* في أكاديمية برشلونة للعلوم، تحدث قبل بضعة أشهر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عن "حملة البوكيرك" البرتغالية خلال القرن السادس عشر على سواحل الخليج وعمان وهرمز وصولاً إلى جاوا الهندية، وأشار بأدب واختصار شديدين إلى "أننا قاتلنا بعضنا البعض" . نعم . . . هذا هو التاريخ، بعجزه وبجره، لا بد من معرفته، الوعي بمعانيه ودروسه . . . لماذا تقاتلنا؟ ولماذا نحجوا؟ ولماذا فشلنا؟ هذا هو سؤال التاريخ، وسؤال المستقبل في آن .
* حينما سمعت حديث صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان، تمنيت على الجيل الصاعد، في المدارس والجامعات، الاطلاع على تلك المرحلة التاريخية، والوقوف على عبرها ودورسها . وكيف قاوم أجدادهم هذا الغزو البرتغالي الوحشي في البر والبحر . والذي جاء بهدف السيطرة، وتدمير التجارة العربية الآسيوية، وتحطيم القوة البحرية لعرب الخليج، وبخاصة قوة القواسم .
كانت شعوب المنطقة في القرن السادس عشر، ضحايا غزوة وقرصنة ووحشية قل نظيرها . وعرفت هذه الشعوب فظاعة "البوكيرك" القائد البرتغالي، وساديته، وكان مسكوناً بهاجس قتال المسلمين "الكفار"، وتجويع أهل مصر، وهدم الكعبة . فحطم هرمز، وحرق سوقطره، وجدع أنوف النساء، وبتر آذانهن، وقطع الأيادي اليمنى للرجال، وحرق مدينة جاوا الهندية، وحشر المصلين في المساجد . ثم حرقهم فيها .
* لم يكن لدى البرتغاليين في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ما يعلمونه لشعوب المنطقة، والهند، سوى الطرق الجديدة المستخدمة في قتل البشر وتعذيبهم . وحينما نجح البرتغاليون في تطوير سفن شراعية صغيرة وسريعة، إضافة إلى تطوير سفن عابرة للمحيطات دفعوا بهذه السفن في مياه الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي .
* وهددوا الهيمنة العربية على التجارة العالمية، وحطموا النظام العالمي للنقل والتجارة، من خلال هذه السفن الكبيرة، وإنشائهم لشركة الهند الشرقية، وانهزم أمام هذه القوة البرتغالية، الأسطول المصري، والأسطول العثماني، كما انهار التوازن التكنولوجي في أوروبا . وحاولت البرتغال لأطول مدة ممكنة حجب أسرار الشرق عن الأوروبيين، بما في ذلك الطرق البحرية وحركة الرياح الموسمية، وظل البرتغاليون، لفترة طويلة، يفتقرون بشدة إلى الأصدقاء .
* حينما نستحضر، المذابح البشعة التي مارسها القائد البرتغالي في خورفكان، نتأمل معنى قول صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان أمام قادة وباحثين برتغاليين: "إننا قاتلنا بعضنا بعضاً" . . . وهذا هو عبء التاريخ . . . لكن هذا العبء هو حافز لنا، للحوار في هذا العصر، وتأمل متطلبات التقدم والتطور والاعتماد على الذات .
ولنتذكر أن محمد علي، بنى الأسطول المصري في مطلع القرن التاسع عشر، اعتماداً على قوة الرياح (سفن شراعية)، وبناء على نصيحة من خبير فرنسي، وحينما خاض معاركه الأخيرة، خسرها، لأن القوى البحرية كانت قد تحوّلت إلى قوة البخار .
* لم يكن يزيد عدد سكان البرتغال في تلك الأزمنة على مليون نسمة، لكن البرتغال نجحت في تطوير قوتها البحرية، وكسرت بذلك احتكار العرب لنظام النقل والتجارة في البحار .
خبا إبداع العرب في مجال العلوم والتقانة، وعجزوا عن الاحتفاظ بحصة مهمة من التجارة الدولية، بما في ذلك سوق البن، وبخاصة حينما نجح علماء أوروبا في نقل زراعة البن، من اليمن إلى أوروبا والبرازيل .
* سيطرت القوة البحرية الحديثة للبرتغال على معظم السواحل الشرقية الإفريقية، من ممباسا إلى ملجا، ومن هرمز إلى مكاو وساحل الملبار على الساحل الصيني، ونجازاكي في اليابان .
ومن الطريف أن التجار في تلك الأزمنة، وأصحاب المراكز وسفن النقل في المنطقة، تعلموا اللغة البرتغالية المبسطة، حفاظاً على أنفسهم . لكن الأكثر طرافة أن البرازيل اتخذت اللغة البرتغالية لغتها الرسمية، وأبرز عناصر هويتها . . . رغم أن البرتغال استعمرتها وقتاً طويلاً .

د . يوسف الحسن

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"