نجح اللبنانيون في جعل مناسبة سياسية داخلية، موضع اهتمام إقليمي ودولي لا تحظى مناسبات شبيهة في دول أخرى بمثله . المقصود: الانتخابات النيابية التي جرت يوم أمس (الأحد) . يفسر هذا الاهتمام الاستثنائي بتدخلات خارجية في هذا الاستحقاق . ذلك يكشف عن جانب من المشهد، لكن للمشهد جوانب اخرى تتعلق بالتداول الفعلي على السلطة، وبشيوع ثقافة التنافس الفردي، وبما يتوفر عليه المجتمع اللبناني من خبرات في صناعة الانتخابات وهذه جزء من نظام الخدمات (تنظيم واحد بين عشرين تنظيماً سياسياً على الأقل، يبلغ تعداد أعضاء ماكينته الانتخابية خمسين ألفاً، وقِس على ذلك . .) .
هناك مساوئ ومثالب تعتري العملية الانتخابية، يخبرها اللبنانيون أكثر من سواهم ويجهرون بها . لكن مدار التعليق هنا هو الوجه الآخر الذي يتصل بما يمكن احتسابه تميزاً إيجابياً يحسب لهذه العملية، وبما يمكن للمعنيين في العالم العربي بالعمليات الانتخابية، استلهامه والبناء عليه . أول أوجه هذا التمايز أن التنافس الانتخابي اتخذ سمة سياسية حاسمة لا مراء فيها، بما يتناسب مع كون الحدث سياسياً بالدرجة الاولى، إذ يختار الناخبون ممثليهم، وهؤلاء يختارون بدورهم رؤساء السلطات الثلاث: رئاسة مجلس النواب، ورئاسة الوزراء، ورئاسة الجمهورية، علاوة على مهمات الرقابة والتشريع .
في انتخابات مشابهة في مشرق العالم العربي ومغربه، تتراجع هذه السمة حتى تكاد تضمحل أحياناً، فيصعد بدلاً من ذلك نواب الخدمات والعائلات والمناطق والفاعليات التجارية ورجال الأعمال ومتقاعدو الدولة المدنيين والعسكريين، دون هوية سياسية تذكر لهؤلاء، وتتشكل كتل نيابية هلامية تزيد من بهوت تلك المجالس المنتخبة .
الميزة الايجابية لهذا الاستحقاق تتمثل في ما تتمتع به من رقابة عليها . فبينما تثير هذه المسألة حساسية كبيرة لدى السلطات العربية هنا وهناك بداعي رفض الانتقاص من السيادة، وأحياناً لدى بعض القوى السياسية المتنافسة (بذريعة رفض رقابة أجنبية . . شيطانية) . في هذا الوقت فإن جميع أطراف العملية بما في ذلك الدولة اللبنانية، ترحب بالرقابة ذات المعايير الدولية، وتقدم لها كل التسهيلات . علاوة على هيئة رسمية محايدة للمتابعة، وعشرات الهيئات الأهلية، ثم ما لا يحصى من مراقبين يتبعون المرشحين . . ناهيك عن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، التي لا تترك شاردة ولا واردة من دون أن تتقصاها حول سلوك المرشحين وماكيناتهم الانتخابية ومجمل أدائهم وبالطبع كل لمصلحة فريقه، غير أن التنافس الذي يقوم على التربص في هذا المضمار، يمثل أداء رقابياً يصب في المحصلة لفائدة نزاهة العملية الانتخابية .
الميزة الثالثة وليست الأخيرة أن النظام الانتخابي يقوم على الترشيح الفردي، ويمنح الناخب فرصة اختيار مرشحين للمقاعد جميعها في دائرته، فلا محل لصوت الواحد لمرشح واحد . ذلك يتيح الفرصة لاختيار قائمة بكامل أعضائها وإن فرادى، بما يعزز الطابع السياسي للعملية، ويحد من الاحتكام الى ولاءات فرعية: عائلية ومناطقية ومصلحية تذهب لمرشح واحد . هذا رغم أن القوى الديمقراطية لم تنجح في الدفع نحو اعتماد نظام التمثيل النسبي، أو نظام يجمع بين هذا التمثيل والترشيح الفردي، وهو ما يسمى الديمقراطيات الأكثر تقدماً .
يفترض ابتداء من صبيحة اليوم (الاثنين) أن تظهر النتائج تباعاً . ويؤمل قبل ذلك ان تمر الانتخابات من دون تجاوزات وحوادث مقلقة، وهو ما اتفق عليه والتزم به الفرقاء في آخر جلسة حوار وطني بينهم أواخر مايو/أيار الماضي . وأياً كان الفائزون، فإن العملية الديمقراطية هي الفائزة في نهاية المطاف . والتحدي يكمن بعدئذ في أن يواصل أطراف العملية ممن فازوا ومن لم يحالفه الحظ، الحفاظ على النظام الديمقراطي التعددي وسد ثغراته وتطويره وعدم الخروج على سُننه، فهذا النظام على علاته، هو ما جعل لبنان البلد الذي نعرف، والذي يستهوي ملايين العرب أجيالاً تلو أجيال في المشرق والمغرب، كما يستأثر باهتمام العالم أجمع . ومن المصيري عدم التفريط بهذا الرصيد .