تداخل إيجابي بين الأمن القومي والإقليمي

04:00 صباحا
قراءة 3 دقائق

أن تتحول الجريمة التي ارتكبتها سلطات الاحتلال الإسرائيلية في المياه الدولية ضد أسطول الحرية، إلى مواجهة تركية إسرائيلية، فذلك ليس بالأمر المستغرب، وقد جاءت الوقائع الخاصة بهذه الجريمة كي تعزز هذه الوجهة . فالشهداء التسعة كما لاحظت مصادر تركية هم جميعاً من الاتراك، والسفينة التي نالها أكبر درجة من الاستهداف هي السفينة مرمرة التركية، وعليه فإن الاستخلاص بأن علاقة أنقرة بتل أبيب لن تعود إلى سابق عهدها في الأمد المنظور، هو استخلاص في محله كما عبر عن ذلك الرئيس التركي عبدالله غول: فقد شنت تل أبيب حرباً موضعية محدودة ضد أنقرة، لكن هذه الحرب اتخذت طابعاً دموياً، على رغم إدراك تل أبيب أن أنقرة تغطي رسمياً وسياسياً حملة مدنية لكسر الحصار على غزة، وتنظيم عملية إمداد معونات طبية وغذائية وإنسانية لمليون ونصف مليون محاصر في القطاع .

من حق العرب بعد التعاطف العميق مع ذوي الضحايا الأتراك، أن ينظروا بعين التفاؤل إلى التباعد الذي تتسع رقعته بين أنقرة وتل أبيب، والذي يصدع التفاهم الاستراتيجي بين الكيان الصهيوني وأول دولة إسلامية تعترف بها، وهو التفاهم الذي تمظهر على مدى عقود كاختراق يهدد دولتين محاذيتين لتركيا هما العراق وسوريا فضلاً عن لبنان والأردن المحاذيتين للدولتين العربيتين . سياسيون في تل أبيب بدأوا يتوجسون من مفاعيل هذا التحول المتسارع كما في تصريحات لأحد قادة كاديما إيهود أولمرت الذي أبدى تشاؤماً حيال الاحتمالات المتزايدة لفقدان الحليف التاريخي والاستراتيجي لتل أبيب، فيما ذهبت تقديرات أخرى إلى أن تل أبيب تخوض مواجهة مع أنقرة وطهران معاً، وأن استهداف الحليف القديم أريد به توجيه رسالة مفادها أن على أنقرة الاختيار في توثيق علاقاتها بين طهران وتل أبيب، وأن التصعيد ضد الملف النووي الإيراني من طرف هذه الأخيرة لن يتوقف .

مع هذا التحول فإن الصراع العربي الصهيوني بدأ ينتقل إلى صراع ذي طابع إقليمي يتعدى المجموعة العربية . ويبدو العالم العربي على المستوى الرسمي إزاء ذلك، تسوده من جهة مشاعر ارتياح لقيام الجار التركي بتحمّل بعض أعباء المواجهة في هذا الصراع المديد، ومن جهة ثانية يبدو هناك قدر من التحرز من إلهاب الجار المسلم الكبير لمشاعر الشارع العربي، بما يحمله ذلك من إثارة الحرج عند عقد مقارنات بين الموقف التركي الدينامي والمواقف العربية الساكنة، وخاصة بعد أن وضعت أنقرة شروطاً لتجاوز ما حدث في مياه المتوسط منها رفع الحصار عن قطاع غزة، فيما العلاقات العربية - الإسرائيلية لا شروط عليها . والشرط التركي كما هو جلي يتعدى العلاقات الثنائية بين الجانبين، ويعزز الرسالة السياسية والإنسانية للحملة المدنية الدولية لكسر حصار قطاع غزة، فيما تجنح تل أبيب إلى تشويه صورة هذه الحملة وبالذات الدور التركي فيها، عبر تسريب أنباء عن ميول أصولية مزعومة وحتى إرهابية لدى الجهة التركية الأهلية المشاركة في الحملة، وهي مؤسسة الحقوق والحريات والإغاثة الإنسانية، وهو ما تناولته صحيفة بريطانية التايمز الخميس الثالث من حزيران الجاري . وتتصاعد في الوقت ذاته الدعوات في بلاد الأناضول لمحاكمة مسؤولين إسرائيليين، بما يهدّد زيارة أي منهم للبلد العريق الذي خسروا تحالفهم معه .

من أسوأ ما يمكن أن يحدث هو تفاقم حالة سلبية عربية، تبدو معها الأزمة التركية الإسرائيلية وكأنها أزمة ثنائية بين بلدين لا شأن للعرب بها، وقد يتطوع من يتطوع من الجانب العربي في يومٍ قد لا يكون بعيداً للتوسط بين الجانبين، مع ضبط الشارع العربي في الأثناء للحد من تفاعله مع الموقف التركي المتقدم، وذلك بدل اعتماد سياسة تقوم على الاستقواء بالمبادرات التركية، وتشديد عزلة الدولة العبرية ومواصلة الضغوط عليها، لحملها على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة .

التطورات الأخيرة تفرض على العقل السياسي العربي استثمار تلك التطورات، وتوجيهها وجهة إيجابية تعزز من الوزن العربي في مواجهة التوسعية الإسرائيلية، وتقيم تناغماً بين المجموعة العربية ودول الجوار، علماً أن انقرة تتمتع عملياً بأهلية التجسير بين المجموعة العربية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو وضع لا سابق له في تاريخ المنطقة ومعادلاتها، ومن شأن حسن استثماره، وضع حد لأية اختلالات ونزع المخاوف العربية من تمدد إيراني، وذلك ضمن معادلات تحفظ حقوق الجميع دون افتئات طرفٍ على آخر .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"