الذين اعتبروا أن الحركة الكردية في العراق هي من أكبر المستفيدين من سقوط النظام العراقي السابق لم يجانبهم الصواب. لقد أتيح بفعل هذا التغيير الذي تحقق على يد قوة أجنبية لتلك الحركة، أن تتقدم الى الأمام على طريق تحقيق تطلعاتها القومية، مع الاستفادة من مزايا الانضواء في الدولة العراقية.
الانتخابات الأخيرة التي جرت في إقليم الشمال، لم ينقصها ما يجعلها انتخابات لدولة مستقلة ذات علم وطني ودستور خاص بها وقوات وطنية، وبالطبع قانون انتخاب خاص يخضع له أو يتمتع به أكراد العراق. جرت الانتخابات في ظل مراقبة أجنبية ومحلية من دون ان يمنع ذلك نشر تقارير عن انتهاكات واسعة، من بينها فصل أو نقل آلاف من الموظفين تم التشكيك بولائهم للحزبين الكبيرين: حزب البرازاني وحزب الطالباني. وهوجمت مراكز للمعارضة قبل إعلان النتائج (للتخويف) وبعدها (لتعزيز الغلبة). لكن هيئة مراقبة الانتخابات لم تعتبر أن الانتهاكات تملي إعادة الانتخابات.
في النتائج، لوحظ ان مسعود برازاني فاز برئاسة الإقليم، بما نسبته أقل من 58 في المائة من الأصوات، وهي نسبة تدلل على أن المجال كان مفتوحاً بالفعل أمام التنافس على المركز الأعلى، فيما فاز منافسه الثاني كمال يوادويلي بأكثر من 25 في المائة من الأصوات. بينما فازت قائمة المعارضة الرئيسية: التغيير برئاسة هوشيران مصطفى بأكثر من 23 في المائة من المقاعد. إنها نسب مقنعة وواعدة، رغم أن أصواتاً في المعارضة تقول إن الانتخابات لو جرت بنزاهة أكبر لكانت النتائج مختلفة.
بهذا جرت انتخابات ذات طابع سياسي يكاد يكون مكتمل الأركان، وكما يحدث في بقية الدول وبصورة أفضل، رغم كل ما شابها، مما يجري في دول عربية، مع ملاحظة أن هذه المناسبة قد تحققت قبل ستة اشهر، من الموعد المفترض لإجراء الانتخابات النيابية في الدولة العراقية. الاستقرار في الاقليم الكردي مكّن من اجراء الانتخابات في موعدها وبصورة طبيعية رغم تجييش الحزبين الكبيرين. خلافا للوضع في الدولة العراقية، حيث ما زال موعد الاستحقاق النيابي غائماً. وكذلك مع ملاحظة أن الاتحاد الوطني حزب الرئيس العراقي جلال الطالباني قد خاض الانتخابات مؤتلفاً مع حزب البرازاني الديمقراطي. وترشح أوساط الطالباني، برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراقي لتولي رئاسة برلمان كردستان..
وقد لوحظ في هذه المناسبة أن محافظة كركوك تم استثناؤها من الانتخابات، كما تم استثناؤها من قبل في انتخابات المحافظات..علماً أن المطالبة الكردية بها لاتتوقف، إذ يشملها الدستور الكردي ضمن أراضي الإقليم.
على أن نتائج هذه الانتخابات التي سمحت للمعارضة اليسارية والإسلامية والوطنية بملء نحو أربعين مقعداً، تعزز من صورة الإقليم ككيان يحترم التعددية ويتيح التنافس الحر في اجواء مقبولة، رغم بعض الاستبداد الشرقي. ولنا أن نلاحظ أن حكومة الاقليم أبرمت عقوداً لاستخراج النفط من أراضي الاقليم، كما تجري رئاسة الإقليم والحكومة محادثات مع دول اخرى وتستقبل مبعوثين أجانب رفيعي المستوى، فيما يتمتع الاقليم بموارد ذاتية، إضافة الى الموارد التي توفرها الحكومة المركزية في بغداد.
ليست هناك مطالب استقلالية وانفصالية مرفوعة، بل العكس من ذلك تتقدم الحركة السياسية الكردية ممثلة بالحزبين الكبيرين، باعتبارها طرفاً وشريكاً في الدولة العراقية، وهناك عشرات الآلاف من الأكراد يقيمون بصورة طبيعية في العاصمة بغداد، فيما يتناقص عدد أبناء القوميات الأخرى وبالذات العرب المقيمين في المحافظات الكردية.
وفي الحصيلة تبرع الحركة الكردية في التمتع بمزايا الاستقلال كما بعوائد الاندماج في دولة العراق. ومن جهة ثانية تبدو هذه الحركة مؤهلة للتعامل مع أية استحقاقات في المستقبل، بما في ذلك الاستقلال عند الاقتضاء، ما يجعل الحركة الكردية وازنة في المعادلة السياسية الداخلية، إضافة الى ما تتمتع به من تماسك، رغم بعض الضغوط الخارجية من تركيا، وبدرجة أقل إيران. الانتخابات الأخيرة، رغم ما شابها من خروقات، أعادت إظهار الإقليم الكردستاني ككيان متجانس لا مكان فيه لقوات أجنبية أو غير كردية، وتدير حكومته الوضع فيه بغير تدخلات من أحد (باستثناء التفاهمات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة)، وبأفضل مما عليه الصورة في العراق الكبير. وفي ذلك مؤشرات الى المستقبل.