الطبيعة، في كل مكان وكل زمان، لها حكمة ولها إشارات، وعلامات. ها هي سلسلة زلازل فجأة تتعرّض لها مناطق في سوريا وتركيا، وأرقام الضحايا ترتفع كل ساعة، لكن الخبر الصحفي يضعك في موقف المتسائل فعلاً حين تتداعى التقارير الإخبارية عن الزلازل الارتداية في لبنان. والغريب، أو الطريف، بالنسبة للبناني ليس الزلزال، وإنما ارتداداته، وكان اللبناني منذ أكثر من نصف قرن ولا يزال يعاني زلازل سياسية، وارتدادها في بلده الصغير وفي محيطه الإقليمي والعالمي. أما الزلزلة في حدّ ذاتها وارتدادها فهي ليست غريبة على اللبناني، وآخر زلازل اللبناني وارتدادها كان تفجير مرفأ بيروت في عام 2020.
كان الزلزال مرفئياً بحرياً شواطئياً، وكان الارتداد في داخل بيروت إلى درجة أن أشخاصاً طاروا من الشرفات، ولم يصدّقوا أنهم كانوا في بيروت.
الزلزلة وارتدادها آخر عناوين توصيف الشخصية اللبنانية، وكأن هذا اللبناني الجميل الذي يحب القهوة وفيروز والكبّة، ولم يكن ينقصه سوى زلزال، وارتداد الزلزال.
منذ السبعينات وحتى أواخر الثمانينات، ولبنان حرب أهلية أو طائفية أو مذهبية أو إقليمية مع كل ارتداداتها. حروب وسياسات وحزبيات وأسلحة وتحالفات واصطفافات. ومع كل هذا وذاك ارتدادات. دائماً لا بدّ من حساب الارتداد، وسرعته وقوّته. ولا تثق بالمعادلة الرياضية «كل فعل له ردّ فعل مساوٍ له في القوّة، ومعاكس له في الاتجاه»، فالفيزياء على الأرض في لبنان تختلف عن أية فيزياء في الأرض والجوّ والجاذبية والسماء.
خلص اللبناني من كل شيء. حلّ مشاكله مع الكهرباء والزبالة والخبز والقمح الفاسد وإهراءات الميناء، ومحكمة التفجير، وانتهى كل شيء، وإذْ بكل شيء هذه المرة من سوريا وتركيا: زلزال، وارتداد.
منذ سنوات طويلة يعرف اللبناني كيف يتعامل مع الأفعال وردود الأفعال. يعرف كيف يتعامل مع الانسداد ومع الارتداد. يعرف اللبناني كيف يتعامل مع الدولة وشبه الدولة. مع الحزب والبرلمان. مع الحرامي والنظامي. مع الفساد ومع بائع الشعارات والثوريات والحزبيات، وهي وغيرها مصطلحات اللبناني. وليست مصطلحاتنا نحن البدو.
في كل تاريخ اللبناني لم يستحق وما كان يستحق في يوم من الأيام كل هذا البؤس المكثف في كلمتين بالصدفة: «الزلزال وارتداده»، وكأن هذا قدره، أن ينام على زلزلة، وأن يصحو على ردّة أو ارتداد، أن يتخلّص من العتم، فإذا به في كهف أو في أخدود، أن يحصل على كيس قمح أو ربطة خبز، فإذا به يستحق الرحمة والشفقة والأغطية وهو جائع، وهو عطشان، وهو مغرور أيضاً وبطران وشبعان برؤوس يبحث عنها الزلزال.
[email protected]