بصرف النظر عن نتائج الانتخابات الرئاسية في ايران، فإن هذه المناسبة فتحت الأعين مجدداً على التجربة الانتخابية في هذا البلد الكبير والجار . ولا شك ابتداء أن النظام الانتخابي كجزء من النظام القانوني والسياسي، يقيد الترشيح ويحد من فرص التنافس، فهناك عملية فرز مسبقة للمرشحين، يتم من خلالها استبعاد مرشحين وفقاً لاعتبارات سياسية وفكرية، لا قانونية تتعلق بالسجل القضائي لمرشحٍ ما مثلاً . ففي الترشيحات الأخيرة جرى استبعاد 475 مرشحاً بينهم 43 امرأة .
وهناك الصلاحيات المحدودة لرئيس الجمهورية، مقابل صلاحيات وسلطات واسعة للمرشد الذي يختاره رجال دين، وتشمل صلاحيات الأخير وضع السياسات العامة وتنصيب القضاة وعزلهم وكذلك قيادات القوات المسلحة . بل تمتد هذه الصلاحيات الى عزل رئيس الجمهورية نفسه بالتعاون مع البرلمان . . وهو نظام فريد لا مثيل له في عالمنا، خاصة أن المرشد وهو هنا علي خامنئي، يتمتع في الأساس بحيثية دينية كمرجع أعلى وليس بمنزلة سياسية .
ومع هذه التقييدات، فقد كشفت الحملات الانتخابية على مدى الشهور الثلاثة الماضية، عن حيوية هائلة يتمتع بها المجتمع الايراني في بلد كبير تعداده نحو 70 مليون نسمة . كما كشفت عن تعددية سياسية داخل النظام نفسه، وقد دلت على ذلك السجالات بين محمود احمدي نجاد وعلي هاشمي رفسنجاني وكلاهما من أعمدة الدولة . وأبعد من ذلك فإن التنافس الحاد جرى في واقع الحال بين رجالات الدولة، فرجل الدين مهدي كروبي الاصلاحي هو رئيس سابق لمجلس النواب، أما مير حسين موسوي الإصلاحي الآخر فهو رئيس وزراء سابق .
يكمن مصدر الحيوية في مواضع متعددة . أولها بلوغ مرحلة من النضج السياسي، تم فيها المراهنة على المنافسة الديمقراطية رغم القيود عليها، ونبذ وسائل العنف وثقافته . في واقع الامر أن التعبير السلمي في الاعتصامات والمنشورات العلنية وعبر وسائل الإعلام المتاحة، يقطع الطريق على حرف قضية الديمقراطية عن مسارها، وينزع ذرائع ممارسة التشدد من بعض أطراف أجهزة الدولة . لقد تميزت الحملة الانتخابية الأخيرة، بين ما تميزت به بتحييد الحرس الثوري وأجهزة أخرى مماثلة . وكان واضحاً أن أية تدخلات أمنية سافرة، سوف تفسر انحيازاً لمرشح ضد مرشح آخر، بما يفقد العملية مضمونها . وبهذا فإن الحرص على الحيادية ولو من حيث الشكل على الأقل، أسهم في إشاعة جو من التنافس الحر بين المرشحين، وفي تمكين الملايين من الأجيال الشابة من التعبير المباشر في الشارع والساحات العامة عن رؤاها .
وبالنظر للطابع الأيديولوجي للدولة الذي يَحِد حُكماً من تداول الآراء ويحد قبل ذلك من التعددية، فمن الطبيعي أن تشكو الأجيال الشابة وعلى الأخص الشرائح المتعلمة في الجامعات والمعاهد من هذا التشدد، وفي زمن تنتشر فيه ثورة المعلومات ووسائل الاتصال الحديثة . علماً أن هذه الأجيال نشأت في كنف الثورة الاسلامية . ولا يعقل اتهامها بالحنين الى نظام سابق أو الارتباط العاطفي والذهني به . كل ما في الأمر أن هذه الأجيال استفادت من التعددية تحت سقف النظام، وتسعى الى توسيع نطاقها . كما استندت هذه الشرائح الى تجربة وصول مرشح إصلاحي هو محمد خاتمي مرتين الى سدة الرئاسة عبر صناديق الاقتراع، وقد لوحظ أن خاتمي الذي ترشح لهذه الانتخابات ولم يلبث ان سحب ترشيحه لمصلحة كروبي وموسوي، كان حاضراً في الحملات الانتخابية .
ولم يكن الرئيس المرشح نجاد بغير شعبية في أوساط الأجيال الشابة، إذ إن منبته الطبقي المتواضع، وما يبدو من تقشفه وعصاميته، ومن صلابته في مواجهة الغرب، شكلت عناصر جذب لشبان فقراء من الريف أو يقيمون في هوامش المدن .
وفي نهاية الأمر فإن دينامية المجتمع الايراني تضغط بقوة لتوسيع دائرة الحريات العامة، ولا يجد العديد من رموز الدولة مناصاً من التجاوب ولو النسبي والجزئي، مع هذه التطلعات، وتسند ذلك حركة الاجتهاد الواسعة في صفوف رجال الدين، بما يضع حداً للأحادية والتوجهات الشمولية لدى بعض المحافظين . وفي حساب بعض هؤلاء أن فتح الأبواب بصورة منضبطة، يظل أفضل من وقوع ثورة مخملية كما حذر من ذلك بعض أركان الحرس الثوري عشية انتخابات الجمعة الماضي .