سيطوق ابن حزم الأندلسي بالصيت الواسع لكتابه الصغير الجميل طوق الحمامة الذي كتبه وهو شاب في مقتبل العمر لم يتجاوز الخامسة والعشرين بعد، مستفيداً في كتابته من تفاصيل بيئة الحريم التي نشأ فيها .
لا نعلم ماذا كان ابن حزم سيقول لو بُعث حياً، ووجد أن هذا المصنف الذي تناول فيه عذابات الحب ونشواته وصبواته وأعراضه، وغدا كتاباً تربوياً يُعتد به، قد صرف الأنظار عن مؤلفاته الفقهية العميقة وبراهينه في الاجتهاد ودراساته الأفلاطونية المحدثة .
الذين استمتعوا باللغة الرقيقة العذبة لطوق الحمامة، سيفاجأون حين يقرأون كتبه الأخرى التي تنم عن شخصية سجالية صلبة المراس في الرد على خصومه في الفكر، حتى قيلت عنه قولة مشهورة: سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقان .
كان ابن حزم شديد الاعتداد بنفسه، فهو إلى جانب نبوغه العلمي الكبير وريث عائلة مرموقة، وكان أبوه وزيراً، كما أنه هو ذاته استُوزِر لفترة وجيزة، وذاق في حياته طعم المجد والشهرة، قبل أن تحل به النوازل مع ظهور إرهاصات الأفول العربي في الأندلس، يوم قويت شوكة أمراء الطوائف، وتضعضع الحكم الأموي الذي كان ابن حزم من كبار مريديه والمدافعين عنه .
كان الفقهاء قد ضاقوا ذرعاً بحدة ابن حزم الذي أحيا المذهب الظاهري وكان من غلاة الداعين إليه، ودخل في سجالات حادة خلقت له أعداء كثراً، فما كان من المعتضد بن عباد إلا أن أمر بحرق كتبه علانية في إشبيلية، وطارده حتى وجد نفسه وحيداً في قرية لبلة، وفيها رحل ذات ليلة من صيف 1064 وهو يتجرع وحشة المنفى ومرارته .
الباحثة، كوبية الأصل، ماريا روز مينوكال تقصّت النهاية الدرامية لابن حزم . كانت لبلة آخر العالم بالنسبة إليه، وهي أسوأ مكان كان يمكن له أن يموت فيه، هو الذي يحتفظ في ذهنه ببساتين مدينة الزهراء في أوج بهائها، وهو القادم من قرطبة مركز العالم المتحضر التي يعرف مكتباتها حق المعرفة .
مات ابن حزم كمداً وغيظاً، كان الجميع قد تخلوا عنه، ولعله أحس وهو يعاني سكرات الموت أن الثقافة التي أحبها وكافح من أجلها قد اختفت هي الأخرى مثل أنقاض مدينة الزهراء . لكن ماريا روز مينوكال ترى أن أغاني الحب التي تغوص جذورها في عالم ابن حزم بقيت وستظل حية .