في مقدّمته لكتاب «ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر» للدكتور عبدالغفار مكاوي، يذكر د. محمد حسن عبدالله، أن مؤلف الكتاب د. مكاوي قبل وضعه لهذه المادة المطوّلة كان قد التقى الشاعرين: صلاح عبدالصبور، وعبدالوهاب البياتي ودار الحديث حول الشعر. ويقول د. عبدالله إن الثلاثة: مكاوي وعبدالصبور والبياتي أحسّوا بضرورة أن يقدّموا للقارئ العربي أهم نماذج الشعر الغربي، ويقول إنهم انتهوا إلى تقسيم العمل بينهم، وبعد جهد دؤوب، كما يقول د. عبدالله، كان مكاوي قد وفى بما جرى الاتفاق عليه بعد الثلاثة، في حين لم يكتب الشاعران كلمة واحدة، وأعقب د. عبدالله جملته هذه بعلامتي تعجّب!!
يقول د. عبدالله إن الاتفاق المبدئي بين الثلاثة الأصدقاء، أنْ يختص صلاح عبدالصبور بالشعراء «الأنجلوساكسون» بما في ذلك اليونان ولوركا، وشعر الزنوج، وأن ينفرد البياتي بالشعر السلافي والآسيوي، ومن ثم يبقى لمكاوي شعراء إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا. ويؤكد د. عبدالله مرة ثانية، أن عبدالصبور والبياتي لم يلتزما بما جرى الاتفاق عليه.
هل أثيرت هذه «القضية الثقافية» في حينها؛ أي في الستينات؟ أو بعدها. لا ندري. غير أن كتاب «ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر» صدر عن الهيئة المصرية للكتاب في عام 2013، ورحل عبدالصبور في عام 1981، في حين غاب البياتي في عام 1999؛ أي أن الكتاب صدر بعد غياب الشاعرين الكبيرين.
مثقفو وكتّاب وشعراء وحتى فنّانو مصر «لا تتبلّل في أفواههم فولة»، كما يقول المثل المصري، وحكاية البياتي وعبدالصبور ومكاوي التي ذكرها د. حسن عبدالله، حكاية للوسط الثقافي المصري بكل معنى الكلمة.
كل هذا لا يهمني شخصياً في هذه المقالة سواء انسحب البياتي وعبدالصبور من وعدهما للدكتور مكاوي أم لم ينسحبا، ثم وما الضرورة الصحفية أن أذكر هنا حكاية مرّ عليها سنوات من الغياب؟.. ببساطة لكي أقول إن الشعراء عموماً لا يطيقون البحث كمثل هذا البحث المطوّل الذي اشتغل عليه د. مكاوي.
الشاعر بالإجمال أقرب في طبيعته إلى المزاجية، في الغالب لا يصلح لوظيفة، ثم لا يرتهن إلى قيل أو إلى شرط.
الشاعر أو الشاعران البياتي وعبدالصبور في رأيي كانا صادقين مع ذاتهما الأدبية، وهما يتركان الناقد أو الأكاديمي أو الباحث في عزلته الكبرى مع ثورة الشعر الحديث.. وما أسوأه من عنوان!! مع علامتي تعجّب.