بعد الأزمة المديدة مع الحوثيين التي لم تنته فصولاً بعد، ها هي الأزمة في جنوب البلاد تهدد بزعزعة استقرار اليمن. هذه الحال المقلقة المحفوفة بالمخاطر، على شبه بما عاناه السودانيون الذين ما إن طووا صفحة الخلاف بين الحكومة المركزية ومتمردي الجنوب حتى اندلعت أزمة دارفور المتواصلة. ليس المقصود هنا هو التأشير الى مؤامرات خفية، بل الى تشابه أزمات بنيوية ذات علاقة ببنية النظام السياسي والجسم الاجتماعي هنا وهناك.. أما الأصابع الخارجية، في حال وجودها، فهي تستثمر خللاً قائماً. والأصل هو السعي الى معالجة الخلل، بما يغلق الطريق على أي استغلال خارجي في حال وجوده.
كذلك الحال بما يتعلق بالتذكير بتعقيد الأوضاع اليمنية، حيث تتداخل العوامل القبلية مع الاعتبارات السياسية مع الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية. والفيصل هنا هو الحد من هذه التعقيدات والسعي إلى تفكيكها، لا استخدامها ذريعة لإبقاء كل شيء على حاله، والركون الى معالجات أمنية لا تعالج شيئاً في نهاية المطاف، بل تفاقم الوضع، وهو ما تنبىء به التطورات المتلاحقة التي تتمحور حول مصادمات، يذهب ضحيتها قتلى وجرحى من مواطنين ورجال شرطة، مع توقيف المزيد من المعتقلين من أبناء الجنوب، الى بيانات ومواقف سياسية لا تقل عنفاً، ويتحدث بعضها عن حال احتلال للجنوب وليس أقل من ذلك.
من الواضح الآن أن الموقف السياسي إزاء هذه الأزمة لا يوفر حلولاً، فلا طريق الانفصال ممهدة أو مُرضية، ولا التشبث بالوحدة عبر السطوة الأمنية يرضي أبناء الجنوب ويهدئ هواجسهم.. وفي النتيجة فإن الوضع يتجه أكثر فأكثر نحو حالة استنزاف: السلطة تخسر في المواجهات باعتمادها على السيطرة بدلا من إشاعة الأمن السياسي والاجتماعي وهي الوظيفة الأصلية للحكم.. كل حكم، ومناطق الجنوب التي يشكو رموزها من التهميش والتمييز تخسر مع تضاؤل فرص التنمية واشتداد ضبابية المستقبل.
الخشية الآن مع دعوات تنطلق لتدخل الجامعة العربية والأمم المتحدة، من طرف الانفصاليين أن تبدأ التدخلات وتكر سبحتها، كما حدث في إقليم دارفور السوداني، وأن ينعكس هذا الوضع بصورة أو بأخرى على الوضع في شمال البلاد، فتنشأ تحالفات واستقطابات جديدة على وقع الأزمة، تزعزع الوضع في عموم البلاد لا في شمالها فحسب.
هذه المخاطر الماثلة تتطلب الانتقال الى رؤى خلاقة، تأخذ في الاعتبار سائر عناصر ومكونات الأزمة، من ذيول حرب العام ،1994 الى اهتزاز صيغ الحكم المحلي في الجنوب، الى المساواة في العدل لا بأي ظلم مع الشمال في التمثيل السياسي وفي التوظيفات، الى رعاية ملتقيات وطنية جامعة لطرح المشكلات على بساط البحث بروح إيجابية ترمي لحل المشكلات، وتحويل الوحدة بين شطري البلاد الى إرادة ذاتية بل رغبة طوعية، والتشديد على القناعة بأن الحلول لا بد أن تكتسب أفقاً ومضموناً سياسيين متفقاً عليهما.
وإذا كانت الأزمة قد مضت الى شوط بعيد، والتوتر بات يبلغ ذرى خطيرة، فإن المطلوب ليس تراجع الأطراف عن مواقفها ومطالبها السياسية وهو أمر غير ممكن واقعياً، بل أن يتم في الأثناء أي مع استمرار الأزمة فتح مسرب للحلول السياسية، وهو أمر منوط التنادي إليه، بالأطراف كافة في الشمال والجنوب. ابتداء من السلطة والحراك الجنوبي، مروراً بالرموز النيابية والحزبية، وليس انتهاء بالمنظمات الاجتماعية والشخصيات الوطنية المستقلة. والأفضل أن تتم الملتقيات على أرض يمنية آمنة لا في الخارج، تفادياً لتوفير بيئة لتدخلات خارجية، ولتبديد أي انطباع بأن الأطراف المحلية عاجزة عن تشخيص المشكلات ووضع حلول لها.
لا يدخل ما تقدم في باب الوعظ السياسي، بل هو محاولة للتذكير بدروس الماضي في اليمن نفسه الذي كان سعيدا ذات يوم، والاتعاظ بتجارب الآخرين في السودان خصوصاً، وببعض التجارب المشرقية القريبة والبعيدة زمنياً على السواء.
للتجربة اليمنية خصوصيتها لا شك، فالوحدة نشأت بين شطري الوطن والشعب، ولم تقم بين بلدين وشعبين كما الحال في الوحدة المصرية - السورية مثلاً قبل نصف قرن. غير أن هذه الخصوصية المنوه بها لا بد أن تقترن بالنجاعة والقدرة على العامل مع التحديات، ونفي أي انطباعات بالإلحاق والضم، او ابتعاث حساسيات ورواسب سابقة، وهو ما لم يثبت حتى تاريخه بصرف النظر عن النوايا أو حتى تحديد المسؤوليات. فالأصل أن تكون الجهات المسؤولة، أي الرسمية، مسؤولة عن استتباب الأمن السياسي والاجتماعي، وتوفير مرتكزاته وتمثلاته، عبر المؤسسات والإدارات والأداء وجملة التدابير الحكومية، لا عبر خطاب إعلامي يقترن بأداء أمني فحسب.
والأمر ذاته ينطبق على المطالب بتوفير العدالة للجنوب والجنوبيين، فهذا المطمح المشروع والواقعي، لا يتطلب بالضرورة الاندفاع الى ابتعاث دعوات الانفصال أو العودة للتشطير حسب التعبير اليمني، بل بالتمسك بالوحدة مع تجديدها ومنحها مضموناً رشيداً وعصرياً. وليت الطرفين في الشمال والجنوب يفيدان من تجارب ناجحة لإعادة التوحد، كما هو الحال في إعادة توحد ألمانيا التي كانت ألمانيتين، بدلاً من سلوك طريق تجريبي لا يخلو من المغامرة، كما الحال في مواقف بعض مكونات طرفي الأزمة.