حتى لو تشكلت حكومة في لبنان

05:42 صباحا
قراءة 4 دقائق

حتى لو نجح رئيس الوزراء اللبناني المكلف سعد الحريري بتشكيل حكومته الأولى، فإن هذا الانجاز لن يعني إسدال الستار على الأزمة السياسية الداخلية التي باتت بنيوية في لبنان.

في أوقات سابقة كانت مظاهر التأزم تشي بحيوية، بحياة سياسية مفتوحة وعلنية، غير أن تتالي الأزمات بات يكشف عن جذر واحد لها،وهو عدم ارتضاء فرقاء كثيرين بقواعد اللعبة السياسية الوفاقية والتداولية، ومحاولة تحسين المواقع والحجوم، باستجلاب أزمات فرعية، وبالإصرار على الربط الغريب والميكانيكي بين الوضعين الداخلي والاقليمي، ربطاً لا فكاك منه وكأن اللبنانيين دون غيرهم من الشعوب الشقيقة لهم، هم وحدهم من يتأثرون بالرياح الإقليمية، وهم دون سواهم من تسري عليهم مفاعيل التقارب والتباعد بين محاور عربية ودولية، وهم خلافاً لغيرهم من تنعكس عليهم مجريات التسوية والصراع العربي الاسرائيلي.. حتى الانقسام بين فتح وحماس يبدو في لبنان حصراً، ذا انعكاس مباشر على الحياة السياسية فيه، ابتداء من المخيمات ثم إلى محيطها وصولاً الى الأحزاب ومواقع صنع القرارات والسياسات.

تأسيساً على هذه الرؤية، فإن الزعامات اللبنانية باتت تمثل ما يشبه كيانات سياسية في مناطق نفوذها، وكل يسعى لتوسيع هذا الكيان وزيادة تأثيره، ومحاولة الحد من حجم كيانات الآخرين. وقد يتطلب الأمر وساطات خارجية واجتذاب تدخل خارجي، من اجل تنظيم العلاقة بين هذا الكيان وذاك.

ليس هذا الوضع بجديد حقاً في ضوء التوزيع الطائفي، غير أن ممثلي الطوائف كانوا يعرفون حدودهم، وتتمثل تلك الحدود في احترام المؤسسات والتقاليد المرعية، وتفادي التسبب في ازمات مستعصية يدفع البلد كله ثمناً لها، وعدم اعتبار تنازلٍ ما عن تعيين مسؤول ما مثلا، بمثابة خسارة كبرى ما دام أن الوضع بمجمله يرتاح.

الآن تغير الوضع، فلدى غالبية الأطراف تصورها الخاص للبلد، وللجمهور وللطائفة وللمنطقة الانتخابية، والتأثير الخارجي في ظرف معين يكون جيداً إذا ضمن مصلحة فئة ما، ووضع حداً لنفوذ الفئة المنافسة.

كان الزعماء يحذرون في عقود غابرة من التقسيم، وهو تحذير في محله أتى أُكُله، غير أن ما يحدث الآن هو تحول التوزيع الطائفي الى منصة لتقاسم النفوذ والسعي لتوسيعه، ولا بأس أن يكون هناك مقدار يقل أو يزيد للأمن الذاتي، ويجري استقبال السفراء العرب والأجانب من طرف القوى السياسية، وكأن كل قوة سياسية منفردة بشأنها ونفوذها، بما يجيز التعامل بمنطق دول قائمة مع ممثلي دول مستقلة،وربما تداول وجوه العلاقات الثنائية.

في ظل هذا الظرف يصعب رؤية نهاية قريبة للأزمة البنيوية في هذا البلد، والتي يتمنى المرء أن تتم معالجتها غداً قبل أي وقت لاحق. فقد استقرت مفاهيم التواصل المباشر مع الخارج، وباتت من الحقوق المكتسبة للفرقاء ومن سمات التركيبة السياسية.ويسهل خلال ذلك الشحن والتشاحن، واحتساب الرئيس الفرنسي ساركوزي مثلا نصيراً لهذه الجهة أو تلك بينما الرئيس الفنزويلي شافيز يرجح كفة هذه الفئة على تلك، كما يمكن لمن يشاء في لبنان الأخضر أن يطلق القليل من خياله، لكي يرصد مثلاً، تأثيراً محتملاً للمواجهة بين السلطات اليمنية والحوثيين في جبال صعدة، على نسيج التحالفات ومراكز القوى الداخلية، وهكذا الى ما لا نهاية من تصور واستجلاب تأثيرات خارجية.

وبالتشبه بمظاهر العمران ومفردات الطبيعة، فإن البيوت ذات البنيان المتين هي التي تصمد أمام عوامل الطبيعة، وأصحاب تلك البيوت هم من يستثمرون هبوب الرياح وهطول المطر وبزوغ الشمس لإنعاش مزروعاتهم، وهم من يصنعون سدوداً تقيهم من اندفاع السيول. اما البيوت التي تشاد ولو كانت فخيمة، في عين العاصفة من دون حمايات بنيوية وحديد تسليح كاف، فهي تتعرض للأنواء. موقع لبنان الوطن والكيان ليس كذلك وقد أثبت اللبنانيون قدرتهم على الانتصار على مخاطر النزاعات الأهلية والاعتداءات الخارجية، غير أن الكثير من زعمائه لايرونه كياناً قائماً بذاته ولذاته، ولا يتصرفون باعتبارهم هم وشركاؤهم أصحابه وأول حماته. وبعبارة أخرى فإن الاستقواء بالخارج يتقدم على الاستقواء بالشقيق، والدولة التي استقامت وسبقت غالبية الدول العربية في استقلالها قبل أكثر من ستة عقود، تبدو في أنظار البعض ما زالت في طور التشكل.

ليست هذه دعوة لانكفاء أو لإضعاف روابط هذا البلد بمحيطه العربي والاقليمي وكذلك بعلاقاته الدولية، بل هي على العكس دعوة لتقوية هذه الروابط وإدامتها بين دول مستقلة، وبين لبنان مستقل شأنه شأن غيره. واستثمار هذه الروابط، من أجل دعم وحدة اللبنانيين لا التسبب في انشطارهم، ونصرة قضاياهم وتعزيز السلم الأهلي والوقوف في وجه التهديدات الصهيونية، والالتفاف حول مرجعية الدولة.

وسوى ذلك فإن أزمة تشكيل حكومة سوف تتلوها المزيد من المشكلات، وذلك قياساً على تجارب سابقة منذ التمديد ورفض التمديد للرئيس السابق إميل لحود قبل أكثر من ثلاث سنوات، وما دام فرقاء كثيرون ولكن نافذون، يتربصون ببعضهم، ويعتبرون نفوذهم المناطقي والفئوي أشد أهمية من مخاطبة الرأي العام كله، او التطلع لموقع وطني عابر للمناطق والجماعات.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"