بينما أعلن الوزير الصهيوني أفيغدور ليبرمان استعداده للاستقالة قريباً من منصبه وزيراً للخارجية في حكومة نتنياهو إذا أدين بالفساد، فقد أعلنت مصادر وزارته بعد ذلك بأيام (الخميس الماضي 6 أغسطس/ آب الجاري) أنه سيقوم بجولة إفريقية واسعة، تشمل دولاً منها كينيا وإثيوبيا وأوغندا في سبتمبر المقبل.
مصر التقطت هذه الإشارة ورأت فيها محاولة للتأثير في كينيا وإثيوبيا، لإعادة النظر في اتفاقيات دولية بعضها يعود لأكثر من قرن مضى، حول حجم حصص دول المنبع والمصب من مياه نهر النيل، حيث تسعى الدولتان مع دول أخرى في الإيغاد الى مراجعة الاتفاقيات التي تمنح مصر 55 مليار متر مكعب من المياه سنوياً. يُذكر أن 95 في المائة من موارد المياه المصرية تتأتى من نهر النيل، وهو ما جعل بلد الكنانة هبة النيل، فيما الاعتماد السوداني مثلاً على النهر لا يزيد على واحد في المائة، وكينيا على اثنين في المائة، مع العلم أيضاً أن تضاعف عدد المصريين خلال نصف قرن، قد قلل من حصة الفرد من مياه النيل الى نحو ألف متر مكعب سنوياً في وقت تتبدد فيه مياه النهر بنسبة عالية تزيد على ثلاثة أرباع كمياته.
مصر التي تحفظت على استقبال ليبرمان والتعامل معه، وليتها فعلت ذلك مع رئيسه نتنياهو أيضاً، تتعرض لمحاولة صهيونية للتأثير في أمنها المائي القومي، من الكيان الصهيوني، ويقود المحاولة هذه المرة الرجل الذي سبق أن اقترح على دولته قصف السد العالي الذي يحتجز نسبة من مياه النيل لغايات الزراعة، وبالطبع فإن الأهداف المعلنة لزيارة رئيس الدبلوماسية الصهيونية، تقتصر على الحديث عن أوجه التعاون المختلفة، والتي تشمل تصدير أسلحة الى دول إفريقية فقيرة: صادرات الأسلحة الإسرائيلية تفوق ستة مليارات دولار سنوياً.
يكشف الباحث في الشؤون الإفريقية عطية العيسوي أن مصر قدمت دعماً لبعض دول حوض النيل، منها دعم مالي لأوغندا 14 مليون دولار، وللسودان 26 مليون دولار، ولكينيا حفر مائة بئر للمياه الجوفية، إضافة الى مشروعات مشتركة تشمل السودان وإثيوبيا وتنزانيا. ومشاريع اقتصادية كهذه لا تلقى صدى إعلامياً كبيراً. ولعل اعتبارات الأمن القومي المصري هي التي جعلت علاقة القاهرة وثيقة بالخرطوم رغم التباعد الايديولوجي وحتى السياسي بين العاصمتين، ورغم أن محاولة الاستهداف الوحيدة للرئيس مبارك قد جرت في الخرطوم. مع ملاحظة أخرى هي أن الاهتمامات المصرية بأمنها الجيو استراتيجي في الدائرة الإفريقية، هي أحد العوامل التي حدت من الحضور المصري عربياً ومشرقياً، بالذات في العقد الأخير.
وزير المياه المصري محمد نصر الدين علام، أعلن في الخامس من يوليو/ تموز الماضي أن وزارته، سوف تحيل الى مجلسي الشعب والشورى خمسة مشاريع قوانين مائية من بينها مشاريع لتقديم المساعدات اللازمة لدول حوض النيل مثل المعدات والتقنية الحديثة وإجراء البحوث المشتركة في مجال تقنية هندسة المياه والبيئة وتشجيع الاستثمار مع إعطاء الأولوية للسودان وإثيوبيا وأوغندا.
مغزى ذلك أن مصر تنشط إفريقياً لتعزيز تعاونها مع دول حوض النيل في سائر المجالات، ولعل هذا الحضور المصري القديم والمتنامي يشكل أحد الدوافع للتقرب الإسرائيلي من هذه الدول (باستثناء السودان).
تخوض إسرائيل مع مصر صراعاً خفياً على طريقة لعبة الشطرنج، بالنقلات المتدرجة من مواقع مختلفة بهدف التطويق، لا عبر الهجوم المباشر، تبدأ من نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة في محاولات الحد من الدعم الأمريكي للاقتصاد المصري والتأثير في الأوضاع الداخلية، ولا تنتهي بمحاولات تجديد التموضع في القارة الإفريقية. وهكذا إذا كانت المدافع قد هدأت منذ ثلاثة عقود على الجبهة العسكرية، فإن أوجه الصراع السياسي والاقتصادي والإعلامي لم تتوقف منذ ذلك التاريخ، بما في ذلك عمليات التجسس داخل الأراضي المصرية.
اللافت بعدئذ أن التصدي للضغوط الإسرائيلية، بات عربياً لا مصرياً، وقد يتم على مستوى الدول منفردة. هناك حديث عربي وقدر من التنسيق في العمل على الجبهة الدبلوماسية بهدف دفع الحلول السياسية، لكن خلا ذلك فإن المسألة تتخذ طابعاً ثنائياً، وتتعلق بسيادة الدول وحساباتها الخاصة المتعلقة بأمنها الوطني. ويبدو الأمر أسوأ من ذلك حين تواظب إسرائيل على طرح أفكار حول تعاون عربي إسرائيلي في مواجهة إيران كما فعل نتنياهو وباراك في القاهرة. لا تلقى هذه الدعوات قبولاً على الأقل على المستوى العلني، غير أن الخطاب العربي الرسمي لا يتحدث بالوضوح الكافي، عن الخطر الرئيسي في المنطقة الذي ما زالت تمثله الدولة العبرية المحتلة والتوسعية، والذي يتقدم على أية تعارضات مع إيران.
ليس مطلوباً إطلاق شعارات نارية حول الصراع الباقي، فبعض مطلقي هذه الشعارات يكتفون بترديدها من دون أي جهد ملموس، ويراهنون على خداع الجماهير بها، بيد أن المطلوب هو مخاطبة هواجس وتطلعات الرأي العام العربي، وإحياء الأمل لديه بمواجهة سياسية حازمة مع العربدة الإسرائيلية، وإحياء أوسع تنسيق عربي ممكن للضغط على الكيان الصهيوني الذي لا يتردد في السعي لحرمان مصر كما غيرها من الدول العربية، من شرايين الحياة.