بقيت طقوس الكتابة والإبداع لدى الروائيين والشعراء مثار اهتمام وتتبع لدى القراء، فهم شغوفون بتلك اللحظات التي تسبق الكتابة وتتخللها، وتلك الطقوس التي يمارسها الكاتب في سبيل إبداع نصوصه.
لقد كانت هذه الطقوس ضرورية عند كثير من المبدعين، ومختلفة بشكل كبير بينهم، وغرائبية لدى البعض الآخر لا يمكن تفسيرها أو فهم أبعادها، فمن العزلة التامة إلى الكتابة في الأماكن العامة ومحطات القطار، ومن ساعات الصباح المبكرة إلى أوقات الليل المتأخرة، ومن الكتابة على الورق إلى استخدام آلة الكتابة أو الحاسوب، ومن الكتابة بالحبر إلى استخدام أقلام الرصاص، إلى طقوس اللباس أو الأكل إلى الطقوس الروحية، كلها كانت طرائق يسلكها المبدعون في محاولة الولوج إلى أعماق ذواتهم واستخراج مكنوناتها الإبداعية.
ولم تكن هذه الطقوس حكراً على الأزمنة الحديثة نسبياً، وإنما كانت حاضرة في حياة المبدعين على الدوام، وقد أفرد ابن رشيق في كتابه (العمدة) فصلاً للشعراء العرب والضروب التي بها يستدعون الشعر، فكثير عزة كان يطوف في الرياض المعشبة، والفرزدق كان يركب ناقته، ويطوف منفرداً في شعاب الجبال، ويطوف الأودية، والأماكن الخربة، وجرير كان يشعل سراجه ويعتزل.
كان بعض الكتاب يكتبون في أي وقت ومكان، وبعضهم لا يستطيع الكتابة إلا في الضجيج مثل رامبو الذي لم يستطع الكتابة إلا في القطارات السريعة، وبعضهم الآخر كانت لديه طقوس عجيبة مثل إرنست هيمنجواي، الذي كان يقوم بتجهيز أقلام الرصاص من الليل، وإذا بدأ يكتب فإنه يكتب بقلم الرصاص وهو واقف على رجليه منتعلا حذاءً أكبر من مقاسه، ويكتب على ورق آلة كاتبة شفاف، وحينما يبدأ يكتب وبشكل سريع فإنه ينتقل إلى الآلة الكاتبة.
وكان نجيب محفوظ في قمة عطائه يكتب في فصلي الشتاء والخريف ولثلاث ساعات يومياً من العاشرة صباحاً إلى الواحدة ظهراً، وفي مكتبه بمنزله في حي العجوزة ومن طقوسه أنه يتهيأ للكتابة بالمشي قليلاً والاستماع إلى الموسيقى وبعض الأغاني من المذياع.
أما محمد الماغوط فلم يلتزم بأي وقت للكتابة، ويقول في إحدى مقابلاته التلفزيونية: ليس لي وقت للكتابة، كما أني لا أكتب على طاولة، ولم يسبق لي أن كتبت على طاولة، ودائما أكتب على ركبتي. وأكتب بقلم يكون جميلاً، والدفتر أنيقاً، وعلى ركبتي، فكل شيء كتبته في عمري على ركبتي.
وتقول إيزابيل الليندي حول طقوس كتابتها: أمضي من عشر إلى اثنتي عشرة ساعة يومياً في الكتابة، لا أتحدث مع أحد ولا أتلقى مكالمات هاتفية.. أحضر إلى مكتبي في الصباح الباكر وأكون وحدي، أوقد بعض الشموع للأرواح وعرائس الإلهام، أتأمل لبعض الوقت، ودائما ما أحيط نفسي بالأزهار والبخور، ثم أفتح ذاتي كلياً على التجربة التي تبدأ في تلك اللحظة.
غيث خوري