كأن الانتخابات لم تحدث

05:40 صباحا
قراءة 4 دقائق

الانطباع الأول الذي يمكن استخلاصه من إعلان تحالف قائمتي دولة القانون (نوري المالكي) والائتلاف الوطني (عمار الحكيم)، في العراق، هو أن هذين الفريقين يتصرفان وكأن الانتخابات البرلمانية لم تجر قبل شهرين، وبالتالي فإن شيئاً لم يتغير، وليس له أن يتبدل على التشكيلة الحاكمة وعلى سياساتها .

معلوم أن الانتخابات أسفرت عن فوز أربع كتل أولاها العراقية بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي 91 مقعداً، تلتها كتلتا المالكي 89 مقعداً، والحكيم 70 مقعداً، والقائمة الكردستانية 43 مقعداً . إضافة إلى مقاعد قليلة نالتها كتلتا التوافق 6 مقاعد ووحدة العراق 4 مقاعد . وقد لوحظ أن الإعلان عن التحالف استبق إعلان نتائج إعادة فرز أوراق التصويت في بغداد بطلب من فريق المالكي . وكانت نتائج جزئية لإعادة الفرز، أفادت أن لا تغيير على النتائج الرسمية التي تم الإعلان عنها في 26 مارس/ آذار الماضي .

لا مانع دستورياً وقانونياً يحول دون التحالف بين كتلتي المالكي والحكيم، بما يشق الطريق نحو تشكيل حكومة جديدة تمثل هذا التحالف، خاصة بعد أن أعلنت القائمة الكردستانية (البرازاني والطالباني) تأييدها لتجديد التحالف بين الكتلتين وانضمامها إليهما، غير أن الجديد في هذه الحالة سوف يكون ومن دون استباق للأمور استنساخاً للقديم حتى لو تم تطعيم هذه الحكومة بوجوه من خارج الكتل الثلاث . فالأهم من الأشخاص هو السياسات وتمثيل مكونات المجتمع ورؤاها، وهو ما يلح عليه المرجع السيستاني الذي اتخذ موقفاً محايداً في الانتخابات، ودعا لشراكة وطنية قبل وبعد الإعلان عن تجديد التحالف بين ائتلاف القانون والائتلاف الوطني .

لقد كانت الحاجة قائمة بالرغم من التعقيدات والتأويلات الدستورية لدعوة إياد علاوي لتشكيل حكومة، بما ينسجم بالدرجة الأولى مع نتائج الانتخابات والامتثال لها، فإذا ما فشل في مهمته، ومن الميسور تفشيله من قبل الكتلتين الثانية والثالثة، فإنه يمكن دعوة فائز آخر من كتلة المالكي وهو المالكي نفسه، وهذا ما لم يحدث، والمغزى الذي تركه احتجاز نتائج الانتخابات، هو أن لا احتكام كاملاً لها ولا اعتراف بأهميتها ومدلولاتها السياسية، وهو ما يثير انطباعات متشائمة إزاء المسار العام، أو العملية السياسية التي ظل الحديث يتم عنها من دون توقف، فلما شاركت فيها سائر القوى والتيارات، جرت بعدئذٍ محاولة إنكار الجوانب السياسية فيها، وعلى الأقل تبهيت هذه الأبعاد واعتبارها ليست ذات بال، مادامت التحالفات القديمة قابلة للانبعاث ثانيةً وكأن شيئاً لم يحدث .

وتكراراً فإن الظرف العراقي الذي ما زال يتسم بطابع انتقالي، والذي شهد أحداث عنف طائفي مروعة في السنوات الخمس الماضية، كما عانت السلطة التنفيذية من مظاهر فساد ارتكبها مسؤولون رفيعون، فضلاً عن النقص الشديد في الخدمات الأساسية واضطراب العلاقات الخارجية، كل ذلك كان ومازال يتطلب جهوداً إنقاذية على قاعدة شراكة وطنية وتمثيل سائر المكونات الاجتماعية والفكرية، واشتقاق برنامج حكومي يعكس توافق هذه المكونات، غير أن ذلك ليس مدار اهتمام فعلي حتى تاريخه من قوى نافذة، بدليل التحالف المتجدد الذي تأسس على استبعاد كتلة علاوي وتالياً كل ما تمثله، علاوة على تيارات أخرى تعكس اتجاهات عروبية ويسارية وليبرالية وديمقراطية، أي إبقاء القديم على قدمه، وسد الأبواب أمام عهد وفاقي قائم على ائتلافات عريضة ومشتركات سياسية .

الخشية الآن أن تعبر بلاد الرافدين مجدداً إلى حالة احتقان وتأزم سياسي، محمولة على الخلاف بين من يحق له تشكيل الحكومة، وذلك أمام إصرار علاوي على أن هذا الحق من نصيبه، وتمسك التحالف الثنائي باختيار شخص آخر، من المعلوم أن الائتلاف الوطني المتشكل أساساً من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والصدريين لا يرغب، على رغم تحالفه مع كتلة المالكي في إسناد رئاسة السلطة التنفيذية للأخير . كتلة الحكيم لا تحبذ هذا الخيار لعدم ثقتها بالمالكي وحزب الدعوة الذي شكل كتلة منفردة وانشق عملياً عن تحالفه السابق . أما الصدريون الذين فازوا ب 39 مقعداً من المقاعد السبعين لائتلاف الحكيم فلا يرغبون في المالكي رئيساً للحكومة، بعدما شنت حكومته حملة على ميليشيات الصدر خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وهو أمر يثير العجب أن ينشأ تحالف، على رغم الاختلاف المسبق والمعلن حول هوية المؤهل ضمن التحالف لقيادة السلطة التنفيذية . مع ذلك فقد التقى هؤلاء معاً رغم خلافاتهم: الحكيم والمالكي والصدر، في تحالف قوامه فقط العمل على إقصاء علاوي بما يمثله، من دون استشراف أفق سياسي لرفع البلاد من وهدتها، ولا الفصل بين التمثيل الاجتماعي الطائفي والتمثيل السياسي الذي يعكس مصالح وطنية عامة، تتعدى مصالح الزعامات ونفوذها وسط جماعاتها الأهلية .

وفي النتيجة فإن فرصة ثمينة وذهبية لتصويب وتجديد العملية السياسية، ستكون عرضة للهدر والتبديد إذا سار هذا التحالف على طريق الاستئثار والاصطفاف الطائفي، ورأى في بقية المكونات هوامش على المتن، علماً أن هذا التحالف مجتمعاً، يضم أقل من نصف مقاعد مجلس النواب الجديد (159 مقعداً من مجموع 325 مقعداً) اما الحليف الكردستاني التقليدي فينادي علناً حتى الآن بنظام فيدرالي يمنح فيه الشمال إلى الأكراد، والجنوب للشيعة، والوسط للسنة .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"