منذ سنة ونيف توقفت الاجتماعات الخاصة بدول الجوار العراقي ودونما سبب معلن. وقد بدت السلطات العراقية مرتاحة لأن دول الجوار عمدت الى تعيين سفراء لها في بغداد، وهو هدف طالما أعلنت السلطات تمسكها به في تلك المؤتمرات، واعتبرته دليلاً على حسن النوايا. وبتحقق هذا الهدف بدا أن الحاجة لتلك اللقاءات التي كانت تعقد دورياً، قد انتفت.
وإذ أثبتت التطورات اللاحقة، الحاجة لتنظيم العلاقات مع دول الجوار، فإنها برهنت أيضاً على أن قيام حكومة وطنية تمثيلية في بغداد، من شأنه التصدي لمعضلات الداخل كما لتنظيم العلاقات مع الخارج.
خلال العام الجاري كما في أعوام سابقة طفت على السطح مسألة التدخلات العسكرية التركية، ومعها تجددت مشكلة إيواء حزب العمال الكردستاني التركي في مناطق الشمال الكردية. ومع الكويت تجددت مشكلات الديون العالقة وتعويضات غزو العام ،1990 ومع ايران ظهر انقسام داخلي حول مدى حضور الدولة المجاورة الكبيرة في مفاصل الدولة وإداراتها، ومع سوريا ظهرت مجدداً مسألة ضبط الحدود ومنع المتسللين، وجرى اتهام السعودية بأنها لا تطمح الى تطوير العلاقات الثنائية، ومع الأردن أثيرت مشكلات حول أموال للنظام السابق مودعة في بنوك أردنية.
هناك مشكلات كبيرة أو صغيرة، فعلية أو مضخمة مع دول الجوار. غير أن الآراء الداخلية بما في ذلك داخل صفوف أهل الحكم، تتباين حول توصيف هذه المشكلات، كما تتباين حول إن كانت قائمة بالفعل. في الأزمة الاخيرة مع دمشق وضع رئيس الدولة جلال الطالباني نفسه، بعيداً عن اتهامات ساقها المالكي ووزير الخارجية زيباري.
في المعضلة الداخلية الأمنية، فإن الانقسامات بلغت مدى بعيداً بعد اتهام رجال أمن بالضلوع في سرقة مصرف. وما تلا ذلك من توجيه اتهامات لمسؤولين كبار في الداخلية بالتقصير، مع رفض الوزير المعني إجراءات اتخذتها رئاسة الوزراء بحق هؤلاء.
وفيما يتطلع العراقيون لإجراء انتخابات عامة في مطلع العام المقبل، تضمن انتخاب هيئة تمثيلية تعكس التعدد القائم وتجسد الوفاق المنشود، فإنه من الملاحظ أن لا ترتيبات أو تحضيرات رسمية معلنة لهذا الاستحقاق، في وقت نشطت فيه قوى سياسية لتنظيم صفوفها استعداداً لهذه المناسبة، وهي القوى نفسها التي تتحكم بالحياة العامة مع استبعاد حزب الدعوة الذي يقوده المالكي.
ذلك يدل على أن هندسة المعادلات الداخلية لم تتوقف، في سياق الحفاظ على الوضع القائم مع ما يلزم من تعديلات. والخشية ألا تتاح فرصة التصدي الناجع للمشكلات المتراكمة ضمن دولة القانون والمؤسسات، بما في ذلك المعضلة الأمنية، وذلك في غياب إرادة سياسية لتجاوز الانقسامات وتقاسم الدولة بين قوى الأمر الواقع، وتمكين الناس من اختيار ممثليهم السياسيين لا ممثلي عائلاتهم وجماعاتهم الطائفية. والانتقال من ذلك للتصدي لمشكلات الفساد واضطراب حبل الأمن وصولاً الى ضمان استعادة السيادة، وتنظيم علاقات مستقرة مع جميع دول الجوار.
وباستثناء ظاهرة العنف الدموي، فإن الوضع في العراق لجهة التأثر بالخارج، يكاد يماثل الوضع اللبناني، فقد فشل ممثل الأكثرية الذي زكته استشارات رئيس الجمهورية مع الكتل النيابية، في تشكيل حكومة بعد ستة أسابيع على تكليف سعد الحريري. الطرفان المتنافسان يزعمان أن تأثيرات خارجية منعت الفريق الآخر، من الاستجابة لدواعي تشكيل حكومة شراكة وطنية. الواضح أن في كلا الادعاءات جانباً من الصحة.
في العراق تتفق سائر الأطراف على أمر واحد، وهو أن هناك تدخلات خارجية تدعم هذا الفريق أو ذاك وتعكر صفو الأمن. بما يشي بأن المسألة لا تقف عند تأثيرات خارجية، بل تمتد الى هشاشة الوضع السياسي الداخلي، وافتقاد ميثاق ينظم النزاعات، مع الأخذ في الاعتبار أن أطرافاً أساسية لا تمحض كامل ثقتها للدستور الذي أبرم قبل نحو عامين، وبقيت بعض بنوده تنتظر التعديل أو الموافقة عليها.
لقد سبق أن التزمت دول الجوار في مؤتمرات متعاقبة لها، بعدم التدخل في شؤون العراق الداخلية وعدم الإخلال بالأمن فيه، وقد ثبت بعدئذ أن الضامن لذلك هو العراق نفسه، لا الأطراف الخارجية فهذه أياً كانت نواياها، فإن حساباتها ليست عراقية! فالأمن قابل للاستتباب ضمن وضع سياسي متماسك، وفي ظل دولة القانون والمؤسسات، وبوضع حدود حاسمة بين بنية الدولة وإداراتها، وبين مختلف الجماعات الأهلية، ومع الاتفاق على مستقبل المسيرة الوطنية وعلى هوية النظام السياسي الجديد.
في ظل وضع كهذا فإن أية تدخلات من أي طرف في حال حدوثها، تصبح مكشوفة لا غطاء سياسياً لها، ولا تعود هناك مصلحة لأي فريق داخلي ذي أهلية، في تفجير الأسواق والمساجد والإدارات الحكومية وأنابيب النفط، ويتوقف الاستثمار السياسي للعنف الدموي الأعمى، ولا يعود بوسع أحد أخذ القانون بيده والتسلط على المجتمع وبناء دويلته الخاصة، أو أن يكون جسراً تعبر عليه التدخلات الخارجية.
ذلك هو التحدي الجوهري الذي ما انفكت مختلف القوى العراقية تواجهه، دون أن تحقق كبير نجاح حتى الآن.