شغفتني كثيراً ذاكرة المقاهي. أعني هنا المقاهي كأمكنة شكّلت ذاكرة جمعية في حياة المدن، فإما أن تكون ارتبطت بأحداث فاصلة في تاريخ هذه المدن، أو أنها ارتبطت بروّاد لها هم أنفسهم باتوا جزءاً من ذاكرة أهل هذه المدن أو البلدان التي تقع فيها. والمثل الأبرز والأكثر حضوراً في هذا السياق، حين نتحدث عن تاريخ المقاهي في بلداننا العربية، هو نجيب محفوظ، عاشق الجلوس في المقهى والوفي له، والذي ارتبطت ساعات جلوسه اليومي في المقاهي بطقوس كُتب عنها الكثير من قبل معارفه وأصدقائه وشركائه في جلساته.
وعلى صلة بهذا الموضوع أعجبني نص جميل للقاص العماني الشاب حمود سعود، أحد أجمل كتاب القصة القصيرة الشباب في سلطنة عمان بعنوان «مقهى»، حواه كتابه السردي «المرأة العائدة من الغابة تغني»،وفيه يقول: «إن المقهى ذاكرة للشعوب ونافذة حياتها وعتبة صباحاتها وباب أحلامها».
وجدت في هذا النص مقاربة حميمة ذكية لعالم المقهى وحياته، وإمساكاً بنبض حياة وهواجس رواده، حيث لا يعود المقهى مجرد مكان نقصده لنشرب القهوة أو الشاي أو العصير، وإنما هو مجموعة حيوات تدب على الأرض، حتى لو كان أصحابها متسمّرين على كراسيهم.
وهذا ما يجزم به الكاتب حين يقول إن «مَن يظن أن المقهى كرسي وطاولة وفوقهما تمر رائحة قهوة أو شاي فهو ليس في مقهى بالتأكيد». وحسب الكاتب، فمن لا تحنّ روحه إلى المقهى فعليه أن يتأكد من قلبه المعطوب في المساء، وأن يفحص عاطفة الحب للمكان عنده.
وفي سرده الماتع يستشهد حمود سعود بنص لمحمود درويش عن عالم المقهى جاء فيه «من خلف الزجاج تَرى المشاة المسرعين/ ولا تُرى - إحدى صفات الغيب تلك تَرى ولا تُرى/ كم أنت حر أيها المنسي في المقهى».
نص درويش هذا ذكّرني بمشهد في رواية «الهدنة» للكاتب الأمريكي - اللاتيني ماريو بنديتي؛ حيث كان بطل الرواية يعشق الجلوس في المقهى، ويحرص على اختيار طاولة تكون لصيقة بزجاج المقهى المحاذي للشارع الذي يقع فيه، لا لكي يستمتع بشرب القهوة فحسب، وإنما لمراقبة حركة المشاة العابرين للشارع، مستفيداً من ميزة أنه يَرى ولا يُرى، ويُدون حولها الملاحظات.
لعلّ رغبة السارد، حمود سعود في أن يفعل شيئاً مشابهاً هي التي حملته على هجر مقهى «موود كافيه» في «مركز البهجة» الذي اعتاد الجلوس فيه بعض الصباحات والكثير من المساءات، حين كثر عدد الأصدقاء الذين باتوا يرتادونه، كي لا يفقد محبته، ويبحث عن مقاهٍ أخرى أكثر عزلة، ليفعل ما كان يفعله في «موود كافيه»: كتابة بعض النصوص وقراءة الكثير من الكتب.
د. حسن مدن