إصرار القاهرة على أن يتوصل الفرقاء الفلسطينيون، إلى اتفاق بحلول الرابع من يوليو/ تموز المقبل، لن يؤدي كما تدل خبرة التجارب السابقة إلى ولادة الاتفاق العتيد، لكنه قد يفضي إلى مزيد من الاصطفاف الإقليمي . يتقدم هذا الاصطفاف أو التموضع لدى البعض على أية اعتبارات أخرى . إذ من العسير على أي مراقب الوقوع على مرجعية وطنية (داخلية)، تهتدي بها حركة حماس مثلاً في صياغة سياساتها، رغم تضحيات هائلة بذلتها ودفع الشعب ثمنها من لحمه الحي .
حين فازت الحركة في الانتخابات في يونيو/ حزيران 2006 سارعت منفردة إلى تشكيل حكومة برئاسة إسماعيل هنية، بعد أن رفضت صياغة وثيقة أو التوصل لتفاهمات سياسية، حتى مع الفصيل الأقرب لها وهو الجهاد الإسلامي . فلما اكتشفت أن هذا الطريق مسدود، مالت لتشكيل حكومة ائتلافية موسعة برئاسة هنية أيضاً، ولم تمض شهور حتى عمدت الحركة إلى حسم عسكري (سقط خلاله 140 قتيلاً) . على إثر هذا التطور، انسحبت القوى الأخرى المشاركة في الحكومة: فتح، الشعبية، الديمقراطية، المبادرة الوطنية، المستقلون، وبقي فيها وزراء حماس . . بقايا هذه الحكومة التي انقلبت بنفسها على شرعيتها، وخرجت منها بقية القوى السياسية، تصفها الحركة بأنها عنوان الشرعية .
الرؤية الانقلابية والامتلاء باحتكار الصواب الوطني، تجعل من الحركة، حتى تاريخه، حُكماً، ضد أي مشروع ائتلافي جماعي، وما يقتضيه ذلك من حوار مسؤول مع الشركاء ورفاق الدرب .
كانت هناك وما زالت حاجة لتصليب الموقف الفلسطيني برمته، ووضع ضوابط للجميع في إطار التزامات مشتركة . غير أن هذا الهدف لا يشغل حماس ولا الأطراف الأخرى في السلطة الفلسطينية . في النتيجة يتأكد الانقسام أو الانشطار، وتذهب جهود الوسطاء من اليمن إلى السعودية وقطر ومصر هباء . الوحدة الوطنية ليست هدفاً بل يتم النظر إليها عملياً، كعائق وقيد . الاستطلاعات الأخيرة تفيد أن حماس تنخفض شعبيتها في قطاع غزة، بينما تنخفض شعبية السلطة في الضفة الغربية: كُلٌ حيث يحكم . لكن هذه الاستطلاعات لا توقف مسار الانفراد .
في ضوء هذه الارتسامات، يتعذر توقع التوصل إلى اتفاق بين الفرقاء . فإذا ألقى المرء نظرة على البيئة الإقليمية للحوار الماراثوني الدائر في القاهرة، فإنه لا يغفل ملاحظة أن التباعد الإيراني السوري مع مصر التي تحتضن هذه الحوارات، ينعكس بصورة مباشرة على ما يجري في الملف الفلسطيني الداخلي . وحيث تتموضع حماس إقليمياً، دونما ايلاء اهتمام يذكر لاعتبارات وطنية داخلية، فيما نجح على سبيل المثال فرقاء لبنانيون قبل أقل من عام رغم التباعد الهائل بينهم في التوصل إلى اتفاق ما بينهم هو اتفاق الدوحة . . ذلك أن الفرقاء في 14 و8 مارس/ آذار، على تباعدهم الشاسع، أخذوا الحيثيات الداخلية في الاعتبار، وتطلعوا جميعاً إلى حكومة ائتلافية، وإلى انتخابات نيابية تحسم التجاذب الداخلي .
في مقالة أخيرة نشرها الناطق السابق باسم حماس غازي الحمد كتب يقول: إن الصراع مع الاحتلال يملي على الجميع أن يخرج من الرؤية الحزبية الأحادية، والبحث عن مظلة وطنية واسعة، ثم نجري تقييماً شمولياً للمسيرة الوطنية بكل أبعادها . المظلة الوطنية الجماعية والتخفف من الرؤية الأحادية الحزبية، هو ما ينقص حركة حماس التي أثبتت تمرساً في قتال العدو وبذلت تضحيات هائلة، لكن على القائمين عليها استذكار أن غيرها قد سبقها إلى مثل هذه الممارسة النضالية، من دون أن يجنبه ذلك الوقوع في الأخطاء، ومن دون أن يكون بذل التضحيات عاصماً عن استقبال النقد، أو ذريعة للتحلل من موجبات المشاركة .
إن إنهاء الاحتلال وإنقاذ الشعب وتعزيز الوحدة الوطنية وبناء دولة مستقلة، هي أهداف لا يمكن لحركة وطنية مسؤولة أن تضرب صفحاً عنها، وأن تعمد بدلاً من ذلك للاحتكام فقط إلى تقييمها الذاتي لذاتها . . وتصوير نفسها على أنها الفرقة الناجية، بينما الآخرون كلهم خاصة من شقوا الطريق أمامها، هم على ضلال مبين .
يسترعي الانتباه بعدئذٍ أنه في الوقت الذي تبرز فيه الحاجة للوقوف الجماعي أمام غلاة التطرف في تل أبيب، وفي وقت يتطلب صياغة رؤية مشتركة في التعاطي مع إدارة أوباما ومع مشروعها المرتقب، فإن الدلائل تشير إلى أن مثل هذه الاستحقاقات السياسية الداهمة، لا تحرك ساكناً لدى من يعتنقون الرؤية الأحادية الحزبية على حد وصف الحمد . ذلك أن الانقسام الفلسطيني يؤدي في النهاية إما إلى اتخاذه ذريعة للتلكؤ في وضع حلول عادلة، أو لتأليب الفرقاء على بعضهم بعضاً، وفي النهاية فإن الخسارة تحل على الشعب وقضيته، أما من ينعمون بالسلطة في رام الله وغزة فهم ينعمون بها، ولا يجانب أحدهما الصواب من أي جانب .