.. التجوال في «موسوعة الأساطير العالمية» التي وضعها الباحث حنّا عبود يشبه التجوال بين الكهوف الأولى التي ولدت فيها الأسطورة، وتلك فرضية بالطبع، فلا مكان للأسطورة، لأنه لا مكان للمخيّلة البشرية، لكن مع ذلك تتشابه بعض الأساطير، من بين تلك الأساطير حكاية النحّات اليوناني (بيجماليون) الذي نحت تمثالاً من العاج لامرأة اسمها (غالاتيا)، غير أن النحّات وقع في غرام تمثاله، ويتحول تمثال غالاتيا إلى امرأة حقيقية، تزوّجها النحّات، أنت لن تصدّق النحّات وأسطورته هذه، ولكنك، حين يطلب منك أن تتحدث عن النحت، تجد نفسك تلقائياً، وقد تبنّيت قصة النحات، وصدّقتها، وسُقتها مثلاً على ثقافتك في فن النحت.
.. ولكن ماذا عن المرأة الزهرة؟.. يذكر حنّا عبود أنها امرأة في ميثولوجيا هنود أمريكا الشمالية، ويقول: هي التي اشتهرت بفهمها كلام الشجرة المتحدّثة التي تكشف طبيعة العالم والحياة.
.. وما أكثر ما يجري الربط بين الشجرة والمرأة، ولعلّك تجعل من الشجرة أسطورة في حدّ ذاتها حين تفكر في الشجرة وثمرتها، وتتساءل.. أيّتها تحمل الأخرى؟.. هل الشجرة تحمل الثمرة، أم أن الثمرة هي التي تحمل الشجرة؟ الحالة الأولى حالة عادية تماماً لا جديد فيها ولا فيها مخّيلة، ولكنك سوف (تؤسطر) الحكاية هنا، حين تجعل الثمرة حاملة للشجرة، تماماً، مثلما بوسع شجرة واحدة أن تغطي غابة – بأكملها، في مقابل امرأة واحدة بمفردها يمكن أن تغطي على فرقة كاملة من النساء.. يخبرنا حنّا عبود شيئاً عن مخلوقات تسّمى (سبريغان).. إنها مخلوقات قبيحة ساخرة وصغيرة جداً، ويمكنها تكبير حجمها حتى تصير في حجم العمالقة. لصوص أذكياء خطِرون يستطيعون سرقة منازل البشر وأطفالهم.
ففي حياتنا اليوم وبعد وجود (السبريغان) بآلاف الأعوام.. ما أكثر الكائنات القبيحة والصغيرة، التي لا تسرق فقط البشر، بل، وتسرق أيضاً الحجر والشجر، وهي مخلوقات واقعية لا تستحق خيال الأسطورة الذي هو خيال الإنسان في فطريته البشرية الأولى..وماذا بعد..؟؟، أما من شيء جميل في هذا التجوال؟، بلى: تلك (صوفيا).. الكلمة اليونانية للحكمة، ويعتقد الصوفيّون كما يقول حنّا عبّود أن الحكمة روح مقدّسة.
من الحكمة أيضاً أن نقرأ من دون مسلّمات ونهايات قطعية، ففي الأسطورة خرافات ومخيلات تأخذك إلى اللّامعقول، غير أنها في كل الأحوال مادة مسلّية في واقع لا سلوى فيه، واقع ذلك (السبريغان) الساخر القبيح سارق المنازل والأطفال.
[email protected]