صيدليّة ليست كالصيدليّات

00:10 صباحا
قراءة دقيقتين

هل تصدّق أن في مدينة الأحلام، صيدليةً فيها دواء ناجع لكل داء يُعيي من يداويه؟ في أحد المنعطفات كتفني أحد المارّين بين الكلمات العابرة، فإذا هو وجه من وجوه نُقشت في الذاكرة. قلت: يا صاحِ إلى أين المسير، إنني قد ضعت في هذي الدروب، لست أدري أين فيها الشرق أو أين الجنوب؟ قال: رافقني ولن تندم، ما تاه معي يوماً غريب. مقصدي معجزة في الصيدليات، ولي معرفة موثوقة بالصيدلي. قلت: أكرمْ ثم أنعمْ، إن هذا الصّيدَ لي.
في هذا ما يدير الرأس، فما الذي يميّز هذه الصيدلية عمّا سواها في الدنمارك أو سويسرا أو الولايات المتحدة أو الصين؟ أنتذا هيّجتَ بل أجّجتَ شوقي، رُبّ شوق لم يكن معتلجاً في صدر شوقي. قال: هذه الصيدلية، لا يوجد فيها ما هو متداول من أدوية الأعراض والأمراض. عليك بغيرها إن رمت أشياء للحمّى والصداع وارتفاع ضغط الدم والسكريّ، وألم المفاصل والإمساك والمغص والربو والأرق وفرط العرق... هذه الصيدلية لا شأن لها بأدواء الأفراد، فمصابها مصائب الأمم ونوائب الهويّات.
قلت: وأيّ طبيب نطاسيّ سيفحص الأمّة سريريّاً، والله أعلم بالسرائر؟ وكيف يتسنّى في الفحص الشامل تصوير أمّة بالرنين المغناطيسي، أو حتى الأشعة السينيّة، أو أخذ عيّنة من الدم، وماذا لو وجدوا أن الدم صار ذرتي هيدروجين وذرّة أكسجين؟ هذه صيدلية غير علميّة، هي أقرب إلى هلوسات قلعة ألْمُوت عند الحسن الصبّاح، أو «الفراديس الاصطناعية» لدى الشاعر الرجيم الفرنسي شارل بودلير، فما هذه الخطرفات والخرافات؟ قال: حين تخلع نعليك، قبل أن تطأ قدماك أرض الصيدليّة، سيكون عليك أن تتحوّل إلى هولوغرام تتجسد في هيئته الأمّة، بأعراضها وأمراضها، كل ذلك قبل الفحص الشامل. حين تقدّم الوصفة، يدرك الصيدليّ فوراً ما تعانيه، لا أنت، بل الأمّة. معاذ الله أن أدّعي ما ليس لي، فأنتحل شخصية الطبيب، وأفتري على المريض بالتطبيب.
قلت: حنانيك، هل تتعطّف فيجودني منك طلّ إذا تعذّر الوابل؟ تفضّل ببعض هذه الأدواء التي أصيبت بها الأمّة، عجّل الله إبلالها. قال: بعضها أمراض عضال، أورثت الأعطال، وخلّفت ما يضيق به المجال، من بينها: شلل الإرادة، سُداد الإبداع، الاستلاب اللاإرادي، حبس القريحة، كساح الطموح، تكلّس الخيال، رُهاب العلوم، فوبيا التنمية، الفصام الزماني، الذي يعيش فيه شخص في الحاضر بعقل قديم، إسهال الهبوط، الذي يجتاح الإنتاج الفني. المأساة أنكى من «الحب في زمن الكوليرا»، في السودان: «الحرب في زمن الكوليرا». لا يمكن اختصار موسوعة باثولوجية في عمود.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: الأحلام ليست بالأوهام.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"