عبدالرّزاق إسماعيل..

00:06 صباحا
قراءة دقيقتين

.. كان الزميل عبدالرّزاق إسماعيل في شبابه، وبعد انتهائه من المرحلة الثانوية في حلب، من الطلبة الأوائل المتفوقين في سوريا، .. ما أتاح له أن يحصل على بعثة جامعية في القاهرة لدراسة القانون، ولكن، حدث ذات يوم أن كتب قصيدة وطنية، أو لنقل سياسية غيّرت كل مجرى حياته وإلى الأبد، فلم يعد إلى حلب على الإطلاق، ثم من القاهرة في بداية ثمانينات القرن العشرين وإلى الشارقة، ليكون من الجيل الصحفي الأول المؤسس لجريدتنا «الخليج»..
عمل عبدالرّزاق إسماعيل في «الخليج» أكثر من أربعين عاماً متواصلة، ولم يعرف أية صحيفة غيرها، ولم يغير قناعاته، ولا مواقفه، ولا مبادئه، ومرة ثانية وثالثة ورابعة، لم يعد إلى حلب، ولم يرها منذ أن كان طالباً في الثانوية، وحتى أمس الأول، حين ووري الثرى في مقبرة في الشارقة اطمأنت فيها روحه، وأنهى رحلة الفتى السوري الشاعر، ثم، الصحفي، ثم الإنسان في تراب الإمارة الطاهر الذي سبق وأن ضم العديد ممن هم في مثل رحلة (أبو ناصر)، والتي لا تشبه رحلة عوليس إلى إيثاكه (.. والطريق إلى حلب أجمل من حلب..)
عمل عبدالرّزاق إسماعيل (أبو ناصر) في قسم الأخبار المحلية، وترأس القسم في فترة مهنية مبكرة وتأسيسيه في تاريخ «الخليج»، ثم مر على العديد من أقسام الجريدة من المنوعات إلى الصحافة إلى سكرتارية التحرير، وفضلاً عن العمل المكتبي داخل مطبخ الجريدة، أنجز (أبو ناصر) المئات من التحقيقات الصحفية الميدانية، وعرفه القراء مواظباً وأميناً وأخلاقياً في الحياة والمهنة، حين تولى إنجاز الملاحق الدينية وملحق رمضان، وفي كل مكان من فضاء الجريدة اليومي وزمنها الصحفي كنت ترى (أبو ناصر) زميلاً، صديقاً، كريماً، وطوال مزاملتي له على مدى أكثر من ثلاثين عاماً في الخليج، ما خرجت منه كلمة نابية أو جارحة، ولم يكن غليظاً فظ القلب، لا بل زاده غيابه عن حلب شفافية، وأكثر إنسانية، ولم يعرف مكاناً سوى الشارقة، والإمارات.
أحب إمارة العلم والثقافة والأدب، عرف مشروعها الثقافي. وعرف مثقفيها وكتابها وشعراءها وصحفييها من المواطنين الإماراتيين والعرب المقيمين، وترك وراءه سيرة طيبة إنسانية، ومهنية وأخلاقية، وظلت الجريدة روحه وحياته، وحتى حين تقاعد، لم يغادر الجريدة، ظل عبدالرّزاق إسماعيل في مكتب صغير فيه تلفزيون مفتوح عادة على أخبار سوريا، وكنت أراه، إما يكتب شيئاً ما، وإما يقرأ ويصحح خبراً هنا أو جملة هناك في الجريدة، ثم، دائماً تستيقظ فيه مهنيته التقليدية حين يعثر على خطأ، أو حين يكشف عن معلومة مغلوطة، وبرفق يعرض ملاحظاته الصحفية على الزملاء، وبرفق أيضاً غاب، وانتهت بينه وبين نفسه حكاية حلب.
عبدالرّزاق إسماعيل ابن اللغة العربية الفصحى، ويده يد خطاط، وتحت معطفه الصحفي يوجد شاعر موارب أو بعيد عن الأنظار، وظل (أبو ناصر) شاعراً مُضمراً نائياً في ذاته، ولم يندم يوماً على القصيدة السورية التي كتبها في القاهرة، وقطعت حبل السّرة بينه وبين حلب.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"