عنوان صحفي حرفي الذي خرجت به جريدة «الخليج» أمس على صفحتها الأولى حول خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة، فقد كان فعلاً يخاطب «المقاعد»، ويضاف إلى ذلك أنه كان يخاطب الفراغ..
يقال عادة في مهنة صاحبة الجلالة: الصورة الصحفية تعادل أحياناً مئات الكلمات، وهو قول خبرة ومعرفة، وإذا أردت عد إلى صورة «الخليج» المهنية، كعادتها دائماً، أمس على الصفحة الأولى، وبنفسك قم بتعداد المقاعد الفارغة، وبقية المقاعد القليلة التي لم يغادرها جالسوها، وكانت في نحو الخمسين مقعداً فقط، فيما ظهرت للعالم كله قاعة الأمم المتحدة شبه فارغة، ربما، للمرة الأولى في تاريخ المنظمة الدولية الخالية أيضاً من حق النقض (الفيتو)، وهو ليس حقاً، بقدر ما هو استقواء وعقوبة.
بعيداً عن السياسة وتداعياتها الالتفافية، تتيح مجموعة الخطابات التي ألقيت في الأمم المتحدة في الأيام القليلة الماضية معاينة ظاهرة «لغة الجسد» التي مهما تَحكّمَ بها الشخص المتكلم، فلا بدّ أن تفصح عن الكثير من طبائع وأخلاقيات البشر الذين يتوارون عادةً خلف ثيابهم، أو خلف بلاغاتهم الخطابية وهدوئهم المفتعل.
من معطيات «لغة الجسد» في حالة خطاب بنيامين نتنياهو تلك الإشارة التي ظهرت في عينيه، وهو يتابع صف دبلوماسيي العالم المنسحبين من قاعة الأمم المتحدة في اللحظة التي وقف فيها وراء منصة الخطابات، وكان صفاً أممياً طويلاً يُقرأ على أنه استفتاء ميداني على الهواء مباشرة يكشف عن عزلة الرجل، وعزلة الكيان الذي يمثّله.
ولنعد إلى «لغة الجسد»، فقد «ازعومكت» عيناه، وهو يحدّق في صف السياسيين والدبلوماسيين المنسحبين من القاعة الأممية، و«ازعومكت» مفردة اشتقاقية لا أكثر ولا أقل. ليست موجودة لا في القواميس ولا المعاجم اللغوية، كلمة لا تُلفظ ولا تُنطق، بل تُرى فقط في الأمم المتحدة.
التاريخ اللغوي لكلمة «ازعومكت» عمره بضع ساعات فقط من منظمة العالم الكبرى في نيويورك، ولكنها من ناحية عملية تضاف إلى مفاهيم «لغة الجسد»، وتحديداً، لغة العينين..
نَحت «ازعومكت» على نحو ما يعني «انكمشت»، أو «بُهتت» أو «بوغتت»، ولا جذرَ ثلاثياً للكلمة، لأنها فعل مجرّد. فعل استيلادي من الطبيعة البشرية والسلوك البشري، والأهم من ذلك، أنه لا يمكن ترجمتها لا ترجمة فورية ولا ترجمة بطيئة. فقط «ازعومكت» العينان أمام صف منسحب أغلبية رجاله من آسيا وإفريقيا، القارّتين الشقيقتين في المفهوم الأخلاقي التاريخي والجغرافي لمكانين متجاورين.
إن وقائع دولية تاريخيّة كبرى من هذا النوع الذي جرى قبل أيام في نيويورك هو أيضاً حقل بصري ومعرفي مفتوح لعلماء النفس والاجتماع واللغات.. اللغات الأبجدية، واللغات الجسدية، وهو كذلك، حقل للفرجة الدولية النخبوية والشعبية، حين يتعلق الأمر بالاشتقاق المعاصر الخطير: «ازعومكت».
[email protected]