ولا واحد من الطغاة السبعة الذين أجرى معهم الصحفي ريكاردو أُوريزيو قال إنه طاغية، لا بل كان كل واحد منهم يسرد قصّة على الصحفي وقد أضفى عليها الكثير من خصاله الإنسانية، وقد بدا حَمَلاً صغيراً ودوداً وسط فيض بشري من المتوحشين الذين كان يحكمهم «حيوانات، طاردوهم زنقة زنقة».
أجرى أُوريزيو حوارات مع: عيدي أمين، وبوكاسا، وياروزلسكي، وأنور خوجا، ودوفالييه، ومنغيستو، وميلوزوفيتش، وجمع هذه الحوارات في كتاب سمّاه «حديث الشيطان» لكن داخل الكتاب يتحدث هؤلاء الزعماء بوصفهم ملائكة.
عيدي أمين ليس في ثلاجات مطابخه ولا أي نوع من لحوم البشر، ويقول من كانوا يرونه وهو يتسوق في مركز المدينة قبيل الصلاة في الجامع إنه كان ملاكماً، ولكنه لم يؤذِ أحداً، «وكان طباخاً في الجيش ارتقى إلى رتبة جنرال ليعلن عن نفسه في النهاية بأنه الرئيس الوحيد على اتصال مباشر مع الله». أمّا بوكاسا، فتحدث إلى الصحفي في شيء من خشوعية المؤمن: قال: «أعطاني البابا هذا الصليب أثناء زيارتي إلى الفاتيكان في 30 تموز 1970، قبل ذلك عمّدني في قدّاس خصّني به في ديره الخاصّ. سألني إن كنت جاهزاً لتلقي شرف عظيم، وعندما قلت بأني جاهز قام بالطقوس اللازمة، ومنذ ذلك الحين كان دوري في الكنيسة الكاثوليكية دوراً خاصاً وسرّياً».
وبعد، أي طغاة هؤلاء، أو أي أحاديث مع الشياطين؟ ألا ترى إلى نور الإيمان المسيحي وهو يسطع من عيني بوكاسا؟ أما ياروزلسكي فيحيا حياة متواضعة، يذهب كما يقول أوريزيو من وقت إلى آخر إلى المسرح مع زوجته التي كانت مُحاضرة جامعية في الفيلولوجيا ولم يكن لها أي اهتمام مطلقاً بالسياسة، وفي لحظة خشوعية أيضاً يقول لاوريزيو: أنا بريء من كل إثم.ولكن ماذا عن الندم؟هل يندم الطغاة مثل باقي البشر، إن هناك سيكولوجية بالغة الخصوصية لا نعرفها هي التي تحدد الفرق بين الندم واللامبالاة. يقول الطاغية دوفالييه: أحسّ بالندم لأمر واحد، أنني كنت غير قادر على أن أتسبب بولادة ديمقراطية حقيقية في هاييتي، لم يمنحوني الوقت الكافي، ولا تزال هاييتي غير ديمقراطية بعد خمسة عشر عاماً على رحيلي.
في سياق الندم أيضاً، يقول منغيستو: نعم أشعر بالندم، لقد أنشأت أحد أقوى الجيوش في إفريقيا، كما أنشأت واحداً من أفضل الأحزاب تنظيماً في العالم ككل. دافعت عن وحدة بلدي الإقليمية مثل أمٍّ تحمي صغيرها، بيد أن ذلك كله انتهى إلى لا شيء.
ما أكثر ما يستعير الذئب من طبيعة الخروف الذي يلتهمه، ولا يمكن لشجرة الصبّار الشوكية المرّة إلّا أن تكون شجرة صبّار مرّة، أما الندم وغيره من وجدانيات كاذبة فهو أمر نسبي.
[email protected]