فليت الذي بيني وبينك عامر

00:01 صباحا
قراءة دقيقتين

حين قرأت شعار هذه الدورة من معرض الشارقة الدولي للكتاب (بينك وبين الكتاب) استحضرت بيت الشاعر أبي فراس الحمداني: «فليت الذي بيني وبينك عامر/ وبيني وبين العالمين خراب».
والذي بيننا وبين الكتب حديث طويل، ودرب طويل وامتداد لا نملك تأريخه، نشأنا في مكتبات المنازل والأحياء وكبرنا في مكتبة المدرسة، ولم نكن حينها نبحث عن تفسير علمي أو منطقي لحب الكتب، أحببنا الكتب بالفطرة، بفطرة أننا نريد أن نعرف وأن نقرأ وأن نكون ندماء للكتاب، أن نبحث عن قصيدة تشبهنا، وأن نكتشف الحياة عبر من كانوا لنا الإمتاع والمؤانسة. تلقينا المستطرف في كل علم مستظرف، وتكشفت الظنون أمامنا عن أسامي الكتب والفنون، ولكم جلسنا على شاطئ القاموس المحيط، نجمع من أصدافه جذور الكلم، إلى أن شممنا نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، فبحثنا عن الكامل في التاريخ، أو حاولنا الاقتراب منه، لنمر على تاريخ بغداد ودمشق ونقرأ خطط القاهرة، ونحن نستظل بظل قصائد الماجدي بن ظاهر. ونطالع مخطوطات الأولين من أهل الإمارات، ولكم رسمت لنا الأسئلة هذه الطرق التي تؤدي إلى المعرفة، فالسؤالات، كما قيل، أقفال ومفاتيحها المعرفة.
ومن ذاكرة تتوضأ بالنور، أذكر الكتب في حياتي، تلك المساحة الآمنة، التي لم أكن أتصفحها فقط، لكنني كتبت على بعض صفحاتها شيئاً من سيرتي الأولى، فكانت الكتب صندوق بريد، كتبت فيها رسالة اختصرت من خلالها نظرتي للعالم، ورسمت أحلامي القادمة، وكنت حينها ابنة الثامنة. التي لم تفهم يومها أنها تفسد كتاب والدها، كان أمامي كتاب باللغة الإنجليزية يتحدث عن تاريخ النقود المعدنية، ولأنها لم تكن ذهبية أو فضية ولا تشبه النقود التي يحبها أبي، ولأن اللغة لم تكن بالحروف التي أعرفها، فسمحت لنفسي أن أرسم وأكتب على صفحاته. وحين كبر إدراكي باللغات أدركت أنني أفسدت ما لا يجوز إفساده. أما كتب المدرسة فكانت الصحبة التي تحيط بي، تحميني من التعثر، ولأنني كنت طفلة خجولة، فلم أكن أجد أقرب من كتبي، لأصنع منها جسداً يحميني، وجسراً لعبور الأيام.
بيني وبين الكتب، تلك الأسماء التي كنت أراها رمزاً لشخصيات ما تخيلت أن أرى بعضها يوماً، فقد كنت أظن أن المؤلف لا يمكن أن يعيش معنا على الأرض. أو أنه وإن عاش معنا فهو لا يرانا ولا نراه. هكذا تخيلت المؤلفين. وحين رأيت بعض الكتب التي تحمل صورة المؤلف على الغلاف الخلفي، تشكلت لدي ذاكرة جديدة تحفظ الاسم والرسم.
في الكتب، تعلمنا أن المعلومة تأتي على هيئة كلمة أو صورة، وكان هذا وأنا أعبر من أمام مكتبة في منزلنا الذي تتكاثر فيه المكتبات وتنشأ كما تريد، رأيت كتاباً يتحدث عن الظلال في الرسم، فكنت أقلد ما فيه، وقد أخذني إلى متوالية الحضور والغياب، والضوء والظل، لأبحث عني بين المكانين، ولأعرف بشكل واضح أن الحياة بيننا وبين الكتب ضوء وظلالها أمان نعيش فيه. فليت الذي بيننا وبين الكتب يبقى عامراً.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"