كنز معلوماتي وثائقي حقيقي ما يصدر عن مشروع كلمة في أبوظبي، المشروع المتعدّد الحقول والاختيارات الثقافية من الأدب إلى العلوم إلى الفنون.. وبالطبع لا تغيب كتب الرحلات عن هذا المشروع الذي تجاوز خط الألف كتاب تشكّل وحدها مكتبة مكتملة العناصر المعرفية، لمن يريد أن يقرأ، ويحيط بثقافات وحضارات العالم المنقولة من لغاتها الحية إلى اللغة العربية الأكثر حيوية، وهي تشكل هذا الجسر اللغوي الثقافي بين جهات العالم الأربع.
بعض الكتب أعود إليها من وقت إلى آخر، لأنها مثل الكائنات الحية التي تذكّر القارئ بها لكي لا ينساها، ومن هذه الكتب مغامرات الرحّالة الألماني (يوهان شيلتبرغر 1380-1440) في المشرق العربي والإسلامي، ورحلاته في أوروبا وآسيا وإفريقيا.
تقول سيرة حياة شيلتبرغر إنه أمضى أكثر من 32 سنة من حياته أسيراً لدى العثمانيين، ومن بعدهم المغول، أي كان شاباً ربما لم يتجاوز العشرين من عمره حين عرف تجربة الأسر، وتقول حياته أيضاً، بحسب مقدمة الكتاب الذي ترجمه وعلّق عليه الباحث د. أحمد إيبش، إنه زار مصر، والشام، والعراق، وجزيرة العرب.
إليك هنا، بعض مما كتبه (شيلتبرغر) عن دهاء تيمورلنك، وكيف هزم كتيبة من الفيلة بواسطة النار، فقد واجه تيمورلنك خمسين من الفيلة المسلحة في معركة قرب دلهي، ومع تجدّد المواجهة في اليوم التالي جلب تيمورلنك العديد من الإبل وحمّلها أعشاباً جافّة، ووضعها أمام الفِيلَة، وعندما بدأت المعركة، أشعل النار في الأعشاب، وحين شاهدت الفيلة القشّ المحترق على الجمال هربت، ويقال إن الفيلة تخاف من النار لأن أعينها صغيرة.
ويروي شيلتبرغر بعض العادات عند أقوام عرفها في آسيا، إذ إنه من المعتاد لديهم عندما يقتل أحدهم بالبرق أن يمدّدوه في صندوق، ويضعوه على شجرة عالية، ثم يأتي كل الناس من المناطق المجاورة، ويحضرون طعامهم وشرابهم تحت الشجرة، ويرقصون، ويذبحون العجول.
في وصف القاهرة كتب (شيلتبرغر) «في المدينة يوجد اثنا عشر ألف فرن، وكان في مصر عملاق يدعى بلغة المسلمين (الإنقليسر)، وهذا أدخل إلى المدينة حزمة من الحطب لإشعال جميع الأفران، فأعطاه كل خبّاز رغيفاً، وكان مجموعها اثني عشر ألف رغيف، فأكلها كلها في يوم واحد».
ويصف (شيلتبرغر) طائراً يعيش في الصحراء يدعى (السَّقّا) وهو كما يقول الرحالة أكبر من طائر الكركي، وله عنق طويلة، وله منقار عريض طويل أسود، وله رجلان كبيرتان تشبهان أرجل البجع في أجزائها السفلى، وله حوصلة كبيرة أمام عنقه تتسع لربع غالون من الماء.
ذلك هو الأسير الشاب (يوهان شيلتبرغر) الذي نال لقب: ماركو بولو الألماني.