عادي
جيرترود شكلت نقطة تحول كبيرة في أسلوب بابلو

بيكاسو وشتاين.. لحظات الصعود إلى القمة

00:34 صباحا
قراءة 4 دقائق

شكل الرسام الإسباني بابلو بيكاسو وكتابات الأمريكية جيرترود شتاين، بداية حركة طليعية فنية في القرن العشرين، وكان اللقاء بين الاثنين قد حدث في باريس، في الوقت الذي اكتشف فيه الشاب الإسباني آنذاك، بعد وصوله إلى فرنسا، أعمال سيزان وماتيس لدى أسرة شتاين الأمريكية، وكانت هذه العائلة تنتقل للتو إلى باريس، وتقيم على مقربة من متحف لوكسمبورج، وأصبحت الأشهر بين هواة اقتناء التحف واللوحات.

طلب بيكاسو رسم بورتريه لجيرترود شتاين، فمهد هذا اللقاء ل«بداية الحركات الطليعية الفنية في القرن العشرين» التي تركزت حول التكعيبية، وكان لبيكاسو الفضل الكبير في تأسيس تلك الحركة، التي استوحاها من الفنون الإفريقية، وتحديداً الأقنعة والتماثيل، التي كانوا يصنعونها، وأطلق عليه لقب «رائد المدرسة التكعيبية».

هذه اللوحة شكلت نقطة تحول لدى بيكاسو، فقد غير أسلوبه في الرسم والحياة، وبدأت مواضيعه بالوضوح أكثر، وبقيت اللوحة مخفية عن العيون في مرسمه، قرابة تسع سنوات، فيما عرضت للمرة الأولى عام 1916، وعندما شاهدت شتاين النسخة النهائية من اللوحة لم تعجبها.

كانت جيرترود مستاءة، بسبب الوجه، لكن بيكاسو أكد لها أنه إذا لم يكن وجهها الآن على هذا النحو، ففي غضون عشرة أعوام أو خمسة عشر عاماً، سيصبح الأمر كذلك، وهكذا في وقت لاحق ذكرت شتاين أن تلك اللوحة هي أفضل صورة لها، على الإطلاق.

كانت اللوحة تمثل قناعاً لوجه، يظهر سلطة امرأة، ركزت جهودها الإبداعية في إعادة صياغة التقاليد الأدبية، وإضفاء الغرابة على ما هو طبيعي، وقد تبلورت الصداقة بينها وبين بيكاسو حول عمل كل منهما المؤسس للحركة التكعيبية.

كيف رسم بيكاسو شتاين؟ لقد شرع في ذلك عام 1905، إلا أن عملية رسمها لم تكن سهلة، وبحسب ما ترويه شتاين، فقد استغرقت العملية ثمانين أو تسعين جلسة، وهي تتذكر إحدى الجلسات، عندما كانت اللوحة تقترب من نهايتها، وكان الوقت شتاء، قال بيكاسو بانفعال: «لم يعد بإمكاني رؤيتك عندما أنظر إلى وجهك» وترك العمل على اللوحة حتى الخريف التالي.

عندما اكتملت اللوحة عام 1906 كان لأصدقائهما المشتركين رأي آخر: لا تشبه جيرترود شتاين على الإطلاق، وكان رد بيكاسو: التجاهل، تحدت لوحة بيكاسو الأفكار التقليدية لصورة المرأة، فعلى عكس الأعمال السائدة استخدم ألواناً داكنة وخافتة من البني والأحمر، بدلاً من الألوان الزاهية، لم يهتم بتصوير التفاصيل الجسدية بشكل واقعي، فوجهها يشبه القناع، مع إضافات هندسية، هذا التشويه سيغدو سمة من سمات أعماله التكعيبية اللاحقة.

أهمية استثنائية

كانت اللوحة واحدة من اللوحات ذات الأهمية التاريخية في حياة بيكاسو، حين كان يكافح من أجل النجاح، كان وقتها يعيش في فقر، ويقيم في مبنى متداع، فيما كانت شتاين من مقتني الفنون، وصاحبة صالون ثقافي، يجمع كل أسبوع نخبة الكتاب والرسامين والنقاد والشعراء، عدا كونها كاتبة مؤثرة في فترة ما بعد الحربين العالميتين، ولذا لعبت دوراً مهماً في تحسين ظروف بيكاسو المالية وأسهمت في نجاحه.

عندما وصلت شتاين إلى باريس من أمريكا مع شقيقها في عام 1903، بعد رسوبها في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز، وهي في الثامنة والعشرين من العمر، ألقت بنفسها بحماس في عالم الفن، وكان في نيتها الاستحواذ على أعمال الفنانين الطليعيين، فاقتنت وشقيقها أعمالاً لجوجان وسيزان ورينوار، قبل أن تلتقي بيكاسو عام 1905 وتنشأ بينهما علاقة صداقة طويلة.

كانت أول لوحة تشاهدها شتاين لبيكاسو: «فتاة شابة مع سلة من الزهور» لم تحبها، وجدت في رسم الساقين والقدمين ما صدمها، اقترح تاجر الأعمال الفنية الذي عرضها للبيع حلاً للمشكلة، عن طريق قطع الساقين والقدمين، لكنها لم تقتنع بهذا الحل، وكانت تتناول العشاء ذات مساء عندما أخبرها أخوها بأنه، على الرغم من تحفظاتها، اشترى اللوحة، رمت السكين والشوكة قائلة: لقد أفسدت شهيتي، إلا أنها اقتنعت أخيراً برأي شقيقها، أنها رخيصة 150 فرنكاً فقط.

كانت هذه اللوحة بداية لاقتناء مجموعة كبيرة من أعمال بيكاسو، في وقت لم يكن فيه أحد يشتري لوحاته تقريباً، ويقال إنه لو لم تبدأ شتاين في شراء أعماله في سنواته الأولى، كان من المحتمل أن يظل على الهامش، ليبتلعه بحر الفن، الذي يغرق باريس في ذلك الوقت.

اهتم بيكاسو بجيرترود، فتنته شخصيتها، وخطرت في باله فكرة رسمها، وكان صالونها يفتح أبوابه مساء كل يوم سبت، وكانت دعوة بيكاسو لحضوره لأول مرة بمنزلة نقطة العبور إلى قلب الحركة الحداثية، ظل يحضر بصحبة حبيبته، حيث يدور الحديث دائماً عن الفن والأدب والفلسفة، هنا شاهدت أعماله نخبة من الكتاب والفنانين وهواة جمع الأعمال الفنية، وهنا جرى عرضها وشراؤها، وتم تقديمه إلى ماتيس وفنانين آخرين.

بحلول عام 1919 بلغت شهرة بيكاسو الذروة، وباتت لوحاته موضع تهافت رجال الأعمال وجامعي لوحات الفن، لدرجة أن شتاين التي انتشلته من الفقر ووضعته على سكة النجاح، لم تعد قادرة على شراء لوحة واحدة من لوحاته.

جيرترود شتاين

جيرترود شتاين (3 فبراير 1874 – 27 يوليو 1946) روائية أمريكية وشاعرة ومسرحية، وهاوية جمع تحف فنية، وُلدت في بطرسبورج ونشأت في كاليفورنيا، ثم انتقلت إلى باريس عام 1903، وقضت ما تبقى من حياتها في فرنسا، ونظمت صالوناً أدبياً في باريس، حيث اجتمع رواد الحداثة في الأدب والفنون لديها.


لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"